الفكر لا الهيكل التنظيمي سرّ انتشار التطرف

قرار الرئيس الأميركي بتصنيف فروع اخوانية على قائمة الإرهاب، قد يضعف "الإدارة المركزية للفكرة"، لكنه لا يلغي القاعدة الفكرية التي تستطيع إعادة إنتاج نفسها.

أعاد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بإدراج عدد من فروع جماعة الإخوان المسلمين ضمن لوائح التنظيمات الإرهابية، فتح النقاش حول مستقبل جماعات الإسلام السياسي في المنطقة.

والقرار الذي أثار جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة وخارجها، بدا في ظاهره خطوة أمنية وسياسية ضد التنظيم الأكثر انتشاراً في العالم العربي، لكنه في العمق يطرح سؤالاً أكبر: هل يمكن لقرار سياسي – حتى لو كان صادرا عن قوة دولية – أن يضع حدا لفكرة عمرها قرابة قرن، أم أنه لا يتجاوز حدود التضييق التنظيمي دون المساس بجذور الظاهرة؟

منذ تأسيس جماعة الإخوان عام 1928، لم تعد المنظمة مجرد كيان تنظيمي، فقد تحولت إلى مدرسة فكرية كاملة تقدم تصورا خاصا للدين والدولة والمجتمع وتفرعت عنها عشرات الحركات والجماعات والتيارات التي تبنّت خطابا "اخوانيا" في الجوهر، وإن تمايزت في الشكل أو في الأساليب.

وعلى مدى عقود، توزعت هذه التيارات بين العمل الدعوي والاجتماعي والسياسي، واستطاعت أن تبني قواعد شعبية واسعة في كثير من الدول، مستفيدة من الفراغات التي خلّفتها الدولة الوطنية ومن استثمارها في خطاب الهوية والدين والعدالة.

من هنا، يكتسب قرار ترامب أهميته، لأنه يستهدف للمرة الأولى فروعاً محسوبة على الجماعة ضمن مقاربة أمنية أميركية، وليس ضمن قرارات محلية صادرة عن حكومات عربية، غير أن أهمية القرار السياسية لا تعني بالضرورة أن نتائجه الميدانية ستكون بحجم الدويّ والضجيج الذي صاحبه.

ويفتح القرار الأميركي الباب أمام تجميد أصول بعض الفروع المصنّفة وتشديد الرقابة على تمويلها وملاحقة الأفراد المرتبطين بها، كما يربك خطوط التواصل السياسي التي حاولت بعض الجماعات بناءها مع دوائر صنع القرار الغربي، لكن هذه الإجراءات، مهما بلغت شدتها، تظل موجّهة نحو التنظيم أكثر من كونها مواجهة للفكرة.

والإسلام السياسي وفي مقدمته التيار الاخواني، لا يقوم فقط على هياكل تنظيمية، بل على منظومة مفاهيم تشمل فكرة "شمولية الإسلام"، و"الحكم بما أنزل الله"، و"التدرج في التغيير"، إضافة إلى شبكة واسعة من آليات التأثير: منابر دينية وجمعيات خيرية ومؤسسات تعليمية وخطاب إعلامي قادر على التغلغل في شرائح اجتماعية متعددة.

وبالتالي، فإن ضرب التنظيم قد يضعف "الإدارة المركزية للفكرة"، لكنه لا يلغي القاعدة الفكرية التي تستطيع إعادة إنتاج نفسها.

ومنذ صعود الإسلام السياسي في سبعينيات القرن الماضي، بدا واضحاً أن الظاهرة ليست مجرد "مشروع تنظيمي"، بل نتيجة تاريخية للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط: فشل الدولة في التنمية، تآكل الطبقة الوسطى، الإحباط السياسي، ضعف الأحزاب المدنية، وارتفاع منسوب التديّن المجتمعي. وهذا يعني أن البيئة التي أنتجت الإسلام السياسي لا تزال قائمة بدرجات متفاوتة في عدد كبير من الدول.

لذلك، فإن أي قرار سياسي أميركياً كان أم عربيا، قد يكون قادرا ربما على تقييد الحركة، وتجفيف مصادر التمويل وتضييق المسارات السياسية، لكنه عاجز عن تفكيك الأسباب العميقة التي جعلت من الإسلام السياسي خيارا متاحا لفئات واسعة.

وتاريخيا، مرّ الإخوان المسلمون بدورات صعود وهبوط. تعرضت الجماعة للحظر والملاحقة في مصر وسوريا والعراق وغيرها، لكنها استطاعت العودة في فترات لاحقة، سواء بأسماء جديدة أو بأشكال عمل مختلفة، لأن "الفكرة" كانت أوسع من التنظيم، فحتى في الدول التي انكمشت فيها الجماعة تنظيمياً، استمرت الأفكار الاخوانية في الظهور ضمن أحزاب جديدة، أو مبادرات دينية، أو عبر خطاب شبابي رقمي يجدد الأدبيات القديمة بصيغ حديثة.

ومن هنا يبرز السؤال: هل يمكن لقرار ترامب أو لأي إدارة أميركية لاحقة أن يوقف هذه القدرة على إعادة التشكل؟ الإجابة الأقرب للواقع هي: من الصعب لأن فك الارتباط بين الفكرة وبين مناخها الحاضن يحتاج إلى معالجة سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة، وليس إلى قرارات أمنية فقط.

ورغم ذلك، لا يمكن التقليل من أثر القرار الأميركي، خاصة في الدول التي تعتمد على واشنطن في الدعم السياسي والأمني، فبعض الحكومات قد تستخدم القرار لتوسيع دائرة الرقابة على التيارات الإسلامية بغطاء دولي.

كما أن القرار قد يضعف الشرعية الدولية التي كان بعض الإسلاميين يعولون عليها عندما يقدمون أنفسهم كبديل ديمقراطي.

لكن في المقابل، قد يدفع التضييق بعض هذه الجماعات إلى السرية والتشدد كما حدث في تجارب سابقة، وهو سيناريو لطالما حذّر منه باحثون مختصون في شؤون الحركات الإسلامية.

ويمكن القول إن قرار واشنطن يمثل محطة ضغط مهمة على فروع الإخوان وجماعات الإسلام السياسي، لكنه لا يرقى إلى مستوى "الضربة القاضية"، فالإسلام السياسي كفكرة يتجاوز حدود التنظيم ويستمد جذوره من واقع اجتماعي وسياسي أعمق وبالتالي، فإن نهاية التنظيم لا تعني نهاية الفكرة.

وما لم تُعالج الأسباب البنيوية التي تغذي الظاهرة، سيظل الإسلام السياسي قادرا على العودة بأشكال جديدة، حتى لو تراجع اليوم تحت الضغط الدولي.

ورغم التباينات الكبيرة بين جماعة الإخوان المسلمين من جهة، والتنظيمات المتشددة مثل داعش والقاعدة من جهة أخرى، فإن مسار النشأة يكشف خيطا مشتركا يتمثل في تقدّم الفكرة على التنظيم، فالإخوان ظهرت بدايةً كمنظومة فكرية ودعوية تحمل رؤية شمولية للدين والدولة، قبل أن تتطور إلى هيكل تنظيمي ذي مرجعية مركزية.

وفي مسار موازٍ ولكن أكثر تطرفاً، نشأت داعش والقاعدة أيضا كـ أفكار عابرة للحدود قبل أن تتخذ شكلا تنظيميا وإدارة مركزية، فتمددهما لم يكن نتيجة قوة البنية الهيكلية بقدر ما كان انعكاساً لانسياب الفكر المتطرف في بيئات مضطربة بالشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا، بل وحتى في قلب عواصم أوروبية، حيث ظهر الولاء "الفكري" للتنظيمين من دون انتماء تنظيمي مباشر.

وهذا ما يجعل التنظيمات المتشددة، مثل الإخوان في بداياتها، قادرة على إعادة إنتاج ذاتها خارج سلطة المركز، بما يعكس أن الفكر لا الهيكل هو جوهر قابلية الانتشار لدى الحركات الدينية السياسية أو الجهادية رغم اختلاف أهدافها وأساليبها.