الإعلام الحر بين وهم الشعارات واكراهات الواقع

هل سينجح المجلس الوطني للصحافة في ارساء حرية إعلامية مطلقة بالمغرب؟

تُعَد حرية الإعلام من أهم المؤشرات الدالة على مستوى الديمقراطية وعمق الإصلاح السياسي في أي مجتمع. غير أن الحديث عن إعلام حر في العالم العربي غالباً ما يظل شعاراً أكثر منه واقعاً ملموساً، إذ تتعدد القيود التي تكبّل الصحافة بين ضغوط سياسية واقتصادية وفكرية. فالإعلام الذي لا يمتلك استقلاليته المادية والإدارية والفكرية الكاملة يبقى عرضة للتوجيه والتلاعب، ويتحول من سلطة رابعة إلى مجرد بوق يردد ما يُملى عليه. فهل يمكن اعتبار الإعلام حراً إذا كان أسير التمويل الخارجي، أو خاضعاً لرقابة الإدارة، أو مرتهناً لخطاب إيديولوجي ضيق؟

تُعَرّف حرية الإعلام في المجتمعات الديمقراطية بكونها القدرة على نقل المعلومة، ونقد السلطة، وإثارة النقاش العمومي دون قيود مباشرة أو غير مباشرة. لكن هذه الحرية لا يمكن أن تظل شعار مرفوع كما هو الحال، إذ لا معنى لها ما لم تُبْنَ على استقلالية مادية وإدارية وفكرية كاملة. فالإعلام الذي يعتمد على دعم السلطة أو على إملاءات المعلنين لا يمكنه أن يكون صوتاً حراً للشعوب.

وتَكشف التجارب العربية ومنها المغرب، أن الخطاب حول حرية الصحافة يظل متناقضاً مع الممارسة اليومية، إذ يتم الحديث عن إعلام حر بينما المؤسسات الإعلامية في واقعها مرتبطة عضوياً بمصادر التمويل الرسمية أو الخاصة التي تحدد سقف النقد وحدود الحوار، عندما يصبح الإعلام هنا خاضعاً لشبكة مصالح اقتصادية وسياسية تمنعه من أداء دوره الطبيعي في الرقابة والنقد.

وتَطرح الاستقلالية المادية كشرط أساسي للتحرر، فالإعلام الممول من خزينة الدولة أو من إشهارات الشركات الكبرى يَجد نفسه مُقيداً بالتزامات غير معلنة، إذ يتفادى الخوض في ملفات حساسة تمس الممول أو الجهة الداعمة، وهنا يختفي جوهر الحرية ويتحول الإعلامي إلى موظف ينفذ أجندة غيره.

وتُبرز الاستقلالية الإدارية جانباً آخر من الأزمة، إذ أن مؤسسات الإعلام في الدول العربية غالباً ما تُدار بعقلية البيروقراطية أو بتدخل مباشر من السلطة، التي تجعل القرارات التحريرية محكومة باعتبارات سياسية لا مهنية، بينما الإعلامي في هذه الوضعية لا يختار موضوعاته وفق المصلحة العامة، إنما وفق الخطوط الحمراء التي ترسمها الإدارة العليا.

وتُؤكد الاستقلالية الفكرية أن الإعلام الحر هي قدرة الصحفي والمؤسسة على بناء رؤية نقدية مستقلة غير خاضعة لإيديولوجيا جاهزة أو خطاب رسمي مُعلّب، كونه يُنتج الأسئلة قبل الأجوبة، ويزعج السائد عوض إعادة إنتاجه، ويقف إلى جانب المجتمع عوض الارتهان للسلطة أو لرأس المال.

وتَجعل هذه الشروط الثلاثة من مفهوم الإعلام الحر في العالم العربي، مسألة مؤجلة أو مستحيلة التحقيق في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية، فبدون استقلالية مادية وإدارية وفكرية سيظل الإعلام مجرد أداة لتزيين الواجهة، وترديد خطاب يُسوّق للوهم أكثر مما يفتح المجال للنقاش العمومي الصريح.

فما معنى أن يتم إصلاح قانون الصحافة في المغرب، في ظل غياب الأعمدة الثلاثة لحرية الرأي المؤسساتي، أي الإستقلالية المادية، الإدارية، الفكرية؟