التكريم الفني في المغرب بين ثقافة الاعتراف ومنطق المجاملة
يُنظر إلى التكريم في المهرجانات والتظاهرات الفنية بوصفه فعلاً رمزياً يحمل شحنة ثقافية وأخلاقية عالية، لأنه يمنح شرعية تاريخية لمسار فني كامل، إذ وُفترض أن يكون هذا الفعل نتاج رؤية واعية بقيمة الفن ودوره في تشكيل الوعي الجماعي، وبمكانة الرواد المغاربة الذين ساهموا عبر عقود في بناء السينما والتلفزيون والمسرح، غير أن الواقع يكشف عن ممارسات تبتعد عن هذا التصور، حينما تُتخذ قرارات التكريم أحياناً بمعزل عن المعايير المهنية، وهذا يطرح إشكالاً عميقاً حول وظيفة المهرجانات وحدود مسؤوليتها الثقافية. ويزداد هذا الإشكال حدة حين يتحول التكريم إلى أداة علاقات عامة، أو إلى وسيلة لتلميع أسماء بلا رصيد، على حساب أسماء صنعت الذاكرة الفنية بصمت واستمرارية.
ويؤسسُ التكريم في معناه الحقيقي على معيار الزمن الفني بوصفه دليلاً على التراكم والاستمرارية، إذ لا يمكن فصل القيمة الرمزية للاحتفاء عن مسار مهني طويل امتد لعشرين أو ثلاثين سنة، إذ يُفترض أن يبرز هذا التكريم اعترافاً بما قدمه الفنان المغربي من إسهامات متواصلة في تطوير اللغة الفنية، وصناعة أعمال شكلت جزءاً من الذاكرة الجماعية، ويمنح هذا المنطق للتكريم بعده التاريخي، باعتباره توثيقاً لمسار لا يمكن تعويضه بظهور عابر. كما يرسخ فكرة أن الفن يُقاس بما يتركه من أثر ممتد. ويُسهم احترام هذا المعيار في حماية معنى الريادة من التمييع، ويجعل من المهرجان فضاءً للاعتراف لا للمجاملة.
ويرتبطُ التكريم أيضاً بمعيار الإنجاز القريب حين يكون مبنياً على أعمال حققت حضوراً قوياً خلال السنة نفسها أو في أفق زمني لا يتجاوز خمس سنوات، ويكتسب هذا النوع من التكريم مشروعيته حين يكون النجاح مثبتاً جماهيرياً أو نقدياً، بعيد عن اي ضجيج إعلامي عابر، كما يُفترض أن يبرز هذا الاحتفاء في هذه الحالة دينامية المشهد الفني وقدرته على التجدد.
كما يسمح هذا المعيار بالجمع بين الاعتراف بالتجربة الطويلة والاحتفاء بالمنجز الراهن. ويمنح المهرجانات قدرة على ملامسة الواقع الفني المتحرك. ويجنبها السقوط في احتفاءات بلا مضمون.
ويكشفُ تكريم وجوه لا تمتلك أعمالاً جديدة ولا رصيداً فنياً مؤثراً عن خلل واضح في فهم وظيفة الاحتفاء. ويتحول التكريم في هذه الحالة إلى إجراء شكلي منفصل عن أي منطق للإنتاج أو العطاء، بينما يُقصى في المقابل فنانون راكموا مسارات طويلة وأسهموا فعلياً في تطوير السينما والمسرح، دون مبرر موضوعي، ويؤدي هذا السلوك إلى تشويه معنى القيمة الفنية لدى الجمهور، كما يخلق إحساساً باللاعدالة داخل الوسط الإبداعي، ويُضعف ثقة الفاعلين في جدية المهرجانات وأدوارها.
ويفضحُ هذا الاختلال حضور منطق العلاقات الشخصية والمصالح المتبادلة في صناعة قرارات التكريم، إذ يُستبدل التقييم المهني في كثير من الحالات بمعيار القرب الاجتماعي أو الانسجام مع إدارة المهرجان، ويصبح الاحتفاء وسيلة لتبادل المنافع الرمزية بدل أن يكون اعترافاً بالاستحقاق، ويؤدي هذا المنطق إلى تآكل مصداقية التظاهرات الفنية، كما يعمق الفجوة بين المهرجانات والفاعلين الحقيقيين في المجال، ويحوّل الثقافة إلى مجال مغلق تحكمه شبكات غير معلنة.
ويكشفُ السماح بتكريم بعض الوجوه مقابل منافع مادية مباشرة أو غير مباشرة درجة خطيرة من الانحراف في وظيفة العمل الثقافي، حينما يتحول الفضاء الفني إلى واجهة استهلاكية تُباع فيها فرص الظهور والاحتفاء، ويُفرغ التكريم من بعده الرمزي ليغدو إجراءً تجارياً مقنعاً، ويؤثر هذا السلوك سلباً في صورة المهرجانات أمام الجمهور، كما يسيء إلى فكرة الفن باعتباره قيمة لا سلعة، ويجعل من الاحتفاء فعلاً فاقداً لأي معنى ثقافي.
ويبرز هذا الواقع ضعفاً بنيوياً في تدبير المهرجانات والأنشطة الثقافية، حينما يغيب الوعي بأهمية المعايير والقيم في بناء الشرعية الرمزية، ويؤدي هذا الضعف إلى تراجع دور المهرجانات كحارسة للذاكرة الفنية، ويترسخ بدلاً من ذلك منطق مناسباتي قصير الأمد لا ينتج أثراً ثقافياً حقيقياً، بينما وُساهم هذا المسار في إضعاف الثقة العامة في المؤسسات الثقافية، كما يكرس الرداءة بوصفها خياراً ضمنياً، ويجعل من إعادة التفكير في فلسفة التكريم ضرورة لا يمكن تجاوزها.