الإمارات تدعو للحوار سبيلا لقيادة السودان إلى برّ الأمان

كل المؤشرات تجمع على أن الوضع في السودان سائر للمزيد من التصعيد مع تمسك قادة الاحتجاجات بتنفيذ عصيان مدني شامل وتجميد المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي.



ارتفاع حصيلة فض اعتصام الخرطوم إلى 30 قتيلا


تجمع المهنيين السودانيين يهاجم بشدّة المجلس العسكري الانتقالي


دعوات دولية لضبط النفس وحلّ الأزمة بالتفاوض


المجلس العسكري يتمسك بالحوار في مواجهة دعوات للعصيان المدني


النائب العام السوداني يفتح تحقيقا في أحداث الخرطوم

أبوظبي/الخرطوم - عبّرت دولة الإمارات اليوم الاثنين عن أملها في أن يجنح السودانيون للحوار سبيلا لإنهاء الأزمة، داعية إلى التفاوض على اتفاق يقود السودان لبر الأمان.

وقال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش في تغريدة على تويتر "نتطلع إلى استمرار الحوار والتفاوض في السودان الشقيق للوصول إلى اتفاق يقود البلاد إلى بر الأمان، فتجربة المنطقة علمتنا أن الانتقال المنظم والحافظ للدولة ومؤسساتها هو السبيل الوحيد لتفادي سنوات من الفوضى والضياع. قلوبنا مع السودان وأهله في هذه الظروف الدقيقة".

وأعلنت أبوظبي منذ عزل الجيش للرئيس السوداني عمر البشير في أبريل/نيسان، دعمها لانتقال سلمي للسلطة في السودان وضخت إلى جانب السعودية دفعة من وديعة في البنك المركزي السوداني لمساعدة المجلس العسكري الانتقالي الذي يقود البلاد حاليا على مواجهة الأزمة الاقتصادية ولتخفيف أعباء الأزمة عن السودانيين.

ويأتي الموقف الإماراتي فيما يخيم توتر شديد على السودان على اثر مقتل نحو 30 من المعتصمين في اقتحام أمني لفض الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم.

ونفى المجلس العسكري الانتقالي في وقت سابق فض اعتصام الخرطوم متعمدا، قائلا إنه استهدف فقط منطقة كولومبيا المجاورة لمقر الاعتصام التي وصفها بـ"البؤرة الإجرامية الخطرة".

وقال في بيان "المجلس العسكري الانتقالي إذ يعبر عن أسفه تجاه تطور الأوضاع بهذه الصورة يؤكد حرصه التام علي أمن الوطن وسلامة المواطنين واتخاذ التدابير اللازمة للوصول إلي هذه الغاية ويجدد الدعوة إلي التفاوض في أقرب وقت".

وأعرب عن أسفه لتطور الأوضاع عقب فض الاعتصام بمحيط قيادة الجيش، مجددا الدعوة للتفاوض للتوصل إلى التحول المنشود.

لكن تجمع المهنيين السودانيين الذي يقود الاحتجاجات منذ ديسمبر/كانون الأول 2018، شنّ هجوما حاد على المجلس العسكري ونعته بـ"الانقلابي" و"المجرم" وهذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها عبارات قاسية بحق المجلس.

وتمسك التجمع مساء الاثنين، بـ"تنفيذ العصيان المدني الشامل"، معتبرا أنه "الطريق لإسقاط المجلس العسكري الانقلابي".

وحسب لجنة أطباء السودان المركزية، أسفر فض الاعتصام عن مقتل 13 وإصابة 116 آخرين، لكن مصادر محلية أكدت لاحقا ارتفاع الحصيلة إلى 30 قتيلا.

وقال تجمع المهنيين السودانيين "ندعو المواطنين بكل مدن وقرى السودان لمواصلة التواجد في الشوارع بكثافة ومواصلة التظاهر الليلي السلمي".

كما جدد دعوته إلى "إغلاق كل الطرق الرئيسية والكباري (الجسور) والمنافذ بالمتاريس، والعمل الجاد على شل الحياة العامة تماما وتكوين فرق لحماية الأحياء وتقديم الخدمات للمحتاجين من الأهالي".

وتابع "تنفيذ العصيان المدني الشامل والإضراب السياسي هو الطريق إلى إسقاط طغمة المجلس العسكري الانقلابي المجرم واستكمال ثورة شعبنا المجيدة".

وقال "يقوم المجلس العسكري الانقلابي الآن بإبراز وجهه القميء من خلال إحضاره قوات نظامية بعدد ضخم جدا لميدان الاعتصام للقيام بعملية فض ممنهج لاعتصامنا الباسل أمام القيادة العامة". وحث الشعب السوداني على التوجه إلى مقر الاعتصام لمساعدة المحتجين هناك.

كما أمر النائب العام السوداني الوليد سيد أحمد محمود مساء الاثنين بتشكيل لجنة للتحقيق الفوري في الأحداث التي وقعت صباح الاثنين بمنطقة القيادة العامة للقوات المسلحة، في إشارة إلى فض اعتصام المحتجين بالقوة.

وعزلت قيادة الجيش عمر البشير من الرئاسة في 11 أبريل/نيسان الماضي بعد ثلاثين عاما في الحكم تحت وطأة احتجاجات شعبية بدأت أواخر العام الماضي، تنديدا بتردي الأوضاع الاقتصادية.

وبدأ الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش بالخرطوم في 6 أبريل/نيسان الماضي للمطالبة بعزل البشير ثم تواصل للضغط على المجلس العسكري لتسريع عملية تسليم السلطة إلى مدنيين، قبل فضّه بالقوة صباح اليوم الاثنين.  

ومن المرجح أن يوجه أعمال العنف التي وقعت اليوم ضربة لآمال في استئناف محادثات السلام المتعثرة والتوصل إلى تسوية عبر التفاوض في فترة انتقالية بعد الإطاحة بالبشير.

وأعلن تحالف قوى الحرية والتغيير وهو تحالف لجماعات المعارضة والاحتجاج في السودان، وقف كافة الاتصالات والمفاوضات مع المجلس العسكري.

ووصلت المحادثات بين الطرفين بشأن الحكم خلال الفترة الانتقالية بعد عزل البشير إلى طريق مسدود. وعرض المجلس العسكري الانتقالي الذي تولى السلطة في أبريل/نيسان بعد عزل البشير، السماح للمحتجين بتشكيل حكومة لإدارة البلاد لكنه يصر على الاحتفاظ بالسلطة خلال فترة انتقالية.

ويريد المتظاهرون أن يدير المدنيون الفترة الانتقالية وقيادة البلاد التي يبلغ عدد سكانها 40 مليون نسمة إلى الديمقراطية.

وقالت لجنة أطباء السودان المركزية المرتبطة بالمعارضة، إن عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم خلال فض الاعتصام اليوم الاثنين ارتفع إلى أكثر من 30.

وأضافت اللجنة أنه من المرجح زيادة العدد في ظل عدم الانتهاء بعد من حصر العدد الفعلي للقتلى. وقالت إن قوات الأمن طوقت مستشفى في الخرطوم وفتحت النار على مستشفى آخر أثناء ملاحقتها للمحتجين.

وعبرت الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي عن قلق عميق فيما أنحى البعض باللوم صراحة على الجيش.

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك "ما هو واضح لنا أن هناك استخداما مفرطا للقوة من جانب قوات الأمن ضد المدنيين".

وأضاف أن الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش يندد بقوة بالعنف وبتقارير عن استخدام قوات الأمن السودانية القوة المفرطة ضد المدنيين.

وقال السفير البريطاني في الخرطوم عرفان صديق إنه سمع إطلاق نار كثيف لأكثر من ساعة من مقر إقامته وإنه يشعر بقلق بالغ.

وكتب على حسابه على تويتر "لا مبرر لمثل هذا الهجوم. يجب أن يتوقف ذلك الآن".

وقالت أليسون كينج المتحدثة باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إن المجتمع الدولي سيحمل المجلس العسكري مسؤولية العنف.

ووصفت السفارة الأميركية في الخرطوم الهجوم على الاعتصام بأنه "خطأ" وقالت إنه يجب أن يتوقف.

وكتبت السفارة على حسابها على تويتر "المسؤولية تقع على عاتق المجلس العسكري. المجلس العسكري لا يمكنه قيادة شعب السودان بشكل مسؤول".

ودعا الاتحاد الأوروبي اليوم الاثنين قيادات الجيش السوداني للسماح بالاحتجاج السلمي وحث على انتقال السلطة سريعا لقوى مدنية.

وقالت متحدثة باسم الاتحاد في إفادة دورية للصحفيين "نتابع تطورات الوضع عن كثب بما في ذلك هجمات اليوم على المحتجين المدنيين وندعو المجلس العسكري الانتقالي للعمل بشكل مسؤول واحترام حق الناس في التعبير عن قلقهم".

وفي القاهرة قالت مصر إنها تتابع تطورات السودان "ببالغ الاهتمام"، مضيفة في بيان أصدرته وزارة الخارجية "تؤكد مصر على أهمية التزام كافة الأطراف السودانية بالهدوء وضبط النفس والعودة إلى مائدة المفاوضات والحوار بهدف تحقيق تطلعات الشعب السوداني".

وأظهرت لقطات تلفزيونية دخانا يتصاعد من خيام أحرقت فيما يبدو أثناء مداهمة قوات الأمن. وقال شهود إن المحتجين تدفقوا على شوارع الخرطوم ومدينة أم درمان على الضفة الأخرى لنهر النيل وأغلقوا طرقا بالحجارة والإطارات المشتعلة.

وقال أحد المحتجين في مدينة عطبرة إن المتظاهرين أغلقوا طرقا هناك كذلك. ووردت تقارير على مواقع التواصل الاجتماعي عن مواجهات أعقبتها احتجاجات جديدة في مدن وبلدات أخرى وعلى الطرق الواصلة بينها.

وفي الخرطوم، رشق محتجون قوات الأمن بالحجارة وسط دوي إطلاق مكثف للنيران. وأظهر تسجيل مصور على وسائل التواصل الاجتماعي أحد المحتجين يسقط على الأرض ويصرخ من الألم بعد إصابته بذخيرة حية في ما يبدو.

ورأى شاهد القوات وبينها قوات مكافحة الشغب وأفراد من قوة الدعم السريع وهي تلوح بعصي في وسط الخرطوم والطرق القريبة في محاولة لمنع الناس من الوصول لمكان الاحتجاج. وتم إغلاق الجسور على النيل التي تربط عدة مناطق بالعاصمة السودانية.

وقوات الدعم السريع قوة شبه عسكرية يقودها نائب رئيس المجلس العسكري الفريق ركن محمد حمدان دقلو الذي يشتهر بلقب حميدتي.

وأثار دور الجيش في الإطاحة بالبشير مخاوف بين السودانيين من أن بلادهم قد تتبع مسارا مشابها لما حدث في مصر بعد انتفاضة عام 2011 حيث أشرف المجلس العسكري على فترة تحول مضطربة اتسمت بالعنف أحيانا قبل أن يقود عبدالفتاح السيسي قائد الجيش عملية عزل الرئيس الاخواني محمد مرسي إثر احتجاجات حاشدة.