الإيراني بهرام صادقي القاص الضاحك الساخر
يصنف بهرام صادقي، إلى جانب هوشنك كلشيري وأحمد محمود، ضمن كتّاب الجيل الثاني للأدب القصصي في إيران الذين برزوا على الساحة الأدبية بعد صادق هدايت وصادق جوبك وبزرك علوي، وهو يعتبر أحد أبرز رواد القصة القصيرة الإيرانية خلال القرن الماضي، رغم آثاره القليلة التي خلَّفها.
وقد وُلِد صادقي في نوفمبر/تشرين الأول من عام 1936، في مدينة نجف آباد بإيران. ومكث في محافظة أصفهان إلى حدود سنة 1956، ثم سافر بعد ذلك إلى العاصمة طهران لمتابعة دراسته في كلية الطب بجامعة طهران.
وقد صدر له أخيرا عن دار الربيع العربي ترجمة مجموعته "جن إيراني" للمترجم أحمد موسى الذي قدم للترجمة مؤكدا أن هذا القاص النابغة لمع نجمه سريعًا وهو في عقده الثاني بنشر أشعاره وقصصه القصيرة في المجلات والدوريات الأدبية - وذلك بالتزامن مع دراسته الطب - وبدأ فعالياته الأدبية. من بين هذه المجلات نشير إلى "صدف"، "سخن"، "روشنفكر"، "فردوسي" وأسبوعية "اميد"، لكن نشاطه التأليفي سيقل بعد تجاوزه العقد الثالث من عمره. فاز بجائزة فروغ فرخزاد الأدبية في عام 1976. ألّف قصصًا خالدة متفردة وغير مسبوقة من ناحية البناء والمضمون. نُشرت أول قصة له حين كان عمره عشرين عامًا، وأصدر روايته "ملكوت" التي بين أيدينا، وهو ابن الخامسة والعشرين.
كان لبهرام موقف متمايز وجديد تجاه القضايا التي أقلقت جيلًا بأكمله طوال سنوات مديدة. فقد عكس في قصصه الأصلية آلام زمانه وأعطابه بصورة مؤثرة للغاية
وأضاف موسى "صدرت له مجموعة قصصية أخرى تحت عنوان "الخندق والأكواز الفارغة"، وقد أصدرتها دار نشر "زمان" في عام 1968، كما ألّف بضع قصص أخرى متفرقة، لكنَّ أثريه المنشورين: رواية "ملكوت" ومجموعة "الخندق والأكواز الفارغة" كانا كافيين لإدراج اسم بهرام صادقي في خانة عظماء رواد القصة في الأدب الإيراني المعاصر، الذي أحدث تحولًا كبيرًا وغير مسبوق في الكتابة القصصية بفضل أسلوبه المبتكر والمتطور، وفي ديسمبر/كانون الأول من عام 1984 توفي بهرام صادقي إثر أزمة قلبية داهمته وهو في بيته في طهران.
ورأى موسى أن بهرام استطاع بفضل إبداعاته ونَفَسه الحداثي إدخال القصة القصيرة الإيرانية إلى منطقة جديدة وغير مجربة من الأدب المعاصر الإيراني. المجموعة القصصية الوحيدة لصادقي نُشرت لأول مرة بعد مرور عشرة أعوام من كتابتها، أي في عام 1971. يروي صادقي قصص هذه المجموعة بالإفادة من أشكال جديدة، لكن "السخرية" أهم عنصر يتكرر في كل قصصه، وتظهر بوجوه وأشكال مختلفة، وهذا العنصر يُضفي على أعمال صادقي طابع الحداثة؛ لأنه سيكون - مع تَبَلْوُر الرواية والأدب القصصي - أحد أهم العناصر في هذا الجنس الأدبي في إيران، لكن السخرية الموظفة من قبل صادقي تتخذ أشكالا وصورًا مختلفة.
وقد جرّب الأدب القصصي الإيراني هذه السخرية وبخاصة في بعض آثار صادق هدايت، لكن سخرية صادقي، عكس سخرية هدايت التي كانت تتبلور في التعامل مع الموضوع، هي سمة لغوية خالصة وتتبلور من خلال سرد القصة كما تؤثر عليها أيضًا؛ لذلك فسخرية صادقي ذات طبيعة فلسفية تؤثر على حياة شخصيات القصة.
وأوضح أنه في قصة "مع الأسف الشديد"، وهي إحدى قصص مجموعة "الخندق والأكواز الفارغة"، الشخصية الرئيسة تقرأ خبر نعيها في إعلان منشور بجريدة، ويصبح هذا الإعلان - الذي نشر بالخطأ - موضوعًا أصليًا للقصة التي جعل صادقي فيها حتى الموت موضوعًا لسخريته؛ تشارك الشخصية في مراسيم عزائها، وبهذه الطريقة يجعل صادقي من مراسيم الدفن مهزلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث يشارك "السيد مستقيم" في مجلس عزائه وهو يمضغ العلكة ويلقي كلمة على الحاضرين. السخرية لدى صادقي متنوعة، فمن اللعب بأسماء شخصياته إلى خلق السخرية عن طريق عنوان القصة أو كاتبها أو اللعب بالموت، يضع كل ذلك وأكثر موضع السؤال.
ورأى موسى أنه فضلًا عن السخرية تمتاز قصص بهرام صادقي بعناصر أخرى تمتح من الأدب الحديث وحتى ما بعد الحداثة، ففي قصة "المصور"، وهي أيضًا تنتمي إلى المجموعة نفسها، تجري الأحداث في استوديو للتصوير حيث تواجه الشخصية الرئيسة في القصة موقفًا غامضًا وهي تراجع المحل لاستلام صورها؛ لأنها لا تعثر على صورها، وإزاء ذلك يسلّم المصور الشخصية ثلاث صور كلها تشبهها إلى حد كبير، لكن ولا واحدة من هذه الصور هي له، فالإبهام الموظف في هذه القصة هو من قبيل المواقف المشابهة في قصص وروايات ما بعد الحداثة لأن هناك أكثر من جواب محتمل عن سؤال واحد، والسؤال أيضًا بسبب بساطته ووضوحه المبالغ فيه يظل بلا جواب.
وأكد أن بهرام امتلك قدرة عجيبة على مشاهدة وإدراك وقائع المجتمع وشخصياته وظواهره واختلالاته العميقة، وفتح نيران قلمه على التفاهة والخداع بفضل أسلوب سخريته الحقيقية والعميقة. لقد اطَّلع صادقي على أهم مضامين العصر واستوعب القصة القصيرة بإدراكه الباطني والفني لأهمية شكلها وبنيتها واستطاع - نتيجة لذلك - أن ينجح في خلق آثار تجاوزت آفاق عصره وزمانه المحدودة، غير أن نجم هذا الكاتب المتفرّد أفل بأسرع ما كان ينتظر.
وقال موسى أهم ما يميز قصص بهرام البحث في أعماق طبقات ذهن ما تبقى من أجيال الستينيات ويتخذ هذا البحث المقترن بالسخرية الممزوجة بالفاجعة أشكالًا قصصية متنوعة، وهذا ما يجعل من صادقي أحد أكثر الكتّاب متابعة بين مجايليه. بطرقه لجوانب الحياة الساخرة والمؤلمة وإبرازه لقدم العالم والمعاناة التي تلفه، يعبّر صادقي عن آماله في إقرار العدالة الاجتماعية، وعلى هذا الأساس، فسخريته لا تنافي الحياة بل تفشي كل العوامل المتسببة في حقارة الحياة ومذلتها.
إن آثار بهرام المكتوبة بمهارة كبيرة من حيث الشكل، والتي تعكس على نحو مذهل سنوات ما بعد الانقلاب العسكري، هي قبل كل شيء فن القص، وليست تقارير اجتماعية أو نفسية، وقد صرح بنفسه في هذا الصدد قائلًا: "في الأول يجب كتابة القصة، القصة الخالصة، يجب صناعتها، بأي نحو أو شكل...المهم أن تكون فقط صادقًا".
وأشار موسى إلى أن بهرام سيترك بسرعة الواقعية المستسهلة للقصص الاجتماعية للكتَّاب الأقل موهبة، وسينبري هو للبحث عن طرق جديدة للبيان، وهذا البحث الخلاّق سيكون باعثًا لأن تصبح قصصه من أفضل القصص الفارسية من حيث التنوع والجدّة في الشكل وأسلوب سرد القصة. يترك الوصف الخارجي بسرعة ويستبدله بإبراز التناقضات الداخلية لشخصيات القصة.
إن بهرام المدرك لمحدودية تأثير "الغضب" في القصص الاجتماعية، اتجه نحو "الضحك" لبيان رفضه ومعارضته بشكل يبقي تأثيره لأمد بعيد، وبالنظر إلى أولى قصصه ندرك ثنائية السخرية والتخييل الفلسفي اللذين يتحركان جنبًا إلى جنب ليشكلا عالمه القصصي، وكلما قلّ عنده ثقل التخييل الميتافيزيقي وازداد ثقل السخرية الاجتماعية، يعانق عمل صادقي القمة.
وقال "العثور على أشياء جديدة في الناس والحوادث العادية تستفز انتباه القارئ الذي استأنست نظرته بالعادة، وتوجِّهُه نحو إدراك استثناء ما كان يعتبر قاعدة. يقول صادقي في أحد الحوارات التي أجريت معه في هذا الباب: "نحن نعمد إلى الناس والعلاقات والحالات الطبيعية الواقعية، لكنها تافهة واعتيادية، ومن كثرة تفاهتها صارت مقننة ولا يدركها أحد، فنضعها في مواقف تُبرز تفاهتها وسخريتها بشكل صارخ"، ولهذا السبب نجد أن شخصيات قصصه تأخذ أحيانًا طابعًا كاريكاتوريًا، لكنها في الحقيقة الشخصيات ذاتها التي نقابلها كل يوم إلا أن الطابع الكوميدي كامن في وجودها، وعمل الكاتب ينحصر فقط في جعل هذا الطابع في منطقة الضوء.
ولفت موسى إلى أن سخرية بهرام مريرة وداخلية، وهو نفسه يصرح: "أردت الإفادة من سخرية تراعي النقاط الاجتماعية، وتنبش الزوايا المظلمة والمجهولة للحياة على أساس الأسلوب التحليلي النفسي". وراء الوجه الطلق لسخرية صادقي تختفي القتامة الاجتماعية والأرواح المنكسرة والمنهارة.
وقال كان لبهرام موقف متمايز وجديد تجاه القضايا التي أقلقت جيلًا بأكمله طوال سنوات مديدة. فقد عكس في قصصه الأصلية آلام زمانه وأعطابه بصورة مؤثرة للغاية. يبعث صادقي الحياة في آثاره في هذه الفترة رغم محدوديتها الناشئة من تأثير الفكر العبثي واليأس الفلسفي المنتشر حينذاك، وتؤثر نظرته هذه في الأدب القصصي للجيل الموالي تأثيرًا عميقًا إذ ستشهد الساحة الأدبية بروز العديد من الآثار القصصية بعد عقد الستينيات المقلّدة لآثاره. ليس هناك شك في ثبوت بصمة صادقي المؤثرة في الأدب القصصي الإيراني، سواء على مستوى الأسلوب أو المضمون، وبخاصة لدى كتّاب من أمثال هوشنك كلشيري الذي أفاد من أحد أهم مكتسبات القصة عند صادقي، ألا وهي جمع الأصدقاء الذين يتبادلون بشكل ماهر مناسباتهم، وأيضًا تقي مدرسي الذي كرّر في قصصه القصيرة فضاء العائلات المضطرب الذي امتازت به أعمال صادقي.
في أغلب أعمال صادقي القصصية تتسع أرضية القصة كي تستوعب الاختلالات الاجتماعية، فهو يتجاوز إعادة خلق حياة الأفراد ليتطرق إلى العائلة، وبفضل بنائه للمعنى وخلقه للشخصيات بشكل فني خاص به استطاع أن ينجح في هذه التجربة ويكشف بصورة غاية في الروعة هشاشة العائلة وأفراد المجتمع واندثارهم.