الاحتجاج في المغرب: من الانفعال إلى بناء الثقة
ما جرى في بعض المدن المغربية مؤخراً لا يمكن اختزاله في صور المواجهات أو في الأرقام التي أعلنتها وزارة الداخلية، فخلف المشهد المليء بالتوتر والعنف، هناك أسئلة أعمق تفرض نفسها: كيف نضمن حق المواطن في التعبير والاحتجاج ونحافظ في الوقت نفسه على النظام العام والسلم الاجتماعي؟
الوقائع أظهرت أن جزءاً من هذه التحركات انزلق من الطابع السلمي إلى سلوكيات خطيرة: تخريب ممتلكات، اعتراض سيارات إسعاف، إصابة المئات من رجال الأمن والمواطنين. هذه الصور تُنبهنا إلى خطورة فقدان البوصلة في لحظات الغضب، حين يتحول الاحتجاج من وسيلة للتعبير إلى تهديد للاستقرار.
لكن التعامل مع هذه الظواهر لا يجب أن يكون أمنياً فقط، مهما كانت الحاجة إلى التدخل الحازم لحماية الأرواح والممتلكات، فالمسألة في عمقها سياسية واجتماعية بالأساس وتتطلب رؤية إصلاحية شاملة:
إصلاح سياسي يعزز قنوات الحوار ويجعل من المؤسسات فضاءً حقيقياً لامتصاص الغضب الاجتماعي.
إصلاح اقتصادي يواجه جذور الأزمة: بطالة، فوارق اجتماعية، وتهميش مجالي. فالشباب الذين يشعرون أنهم خارج دورة التنمية هم الأكثر عرضة للانزلاق إلى الشارع.
إصلاح ثقافي وتربوي يرسخ قيم المواطنة ويفرق بين الاحتجاج السلمي المشروع والفوضى التي تهدد الجميع.
الاحتجاج في ذاته ليس خطراً، بل هو مؤشر على حيوية المجتمع ورغبته في الإصلاح. الخطر يبدأ حين يغيب التأطير، وتختفي الثقة بين المواطن والدولة. هنا تصبح كل شرارة قابلة للتحول إلى انفلات.
لقد آن الأوان للنخب السياسية ومؤسسات الدولة أن تتحرك بجرأة ومسؤولية لإعادة بناء الثقة مع المجتمع، خصوصاً مع الشباب، فالتأجيل والتسويف لم يعد خياراً، لأن الفراغ الذي يتركه غياب الحلول سرعان ما تملؤه الفوضى.
الإصلاح ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية لضمان الاستقرار. وإذا كان المغرب قد نجح لعقود في الحفاظ على أمنه في محيط إقليمي مضطرب، فإن التحدي اليوم يتمثل في ترجمة هذا الاستقرار إلى عقد اجتماعي متجدد يضمن الكرامة، العدالة الاجتماعية، والمشاركة السياسية الفعلية.
إن الإصغاء للمطالب المشروعة، والجرأة في الإصلاح، هما الطريق الوحيد نحو مغرب أكثر ثقة وأمناً، فالرهان الحقيقي ليس في السيطرة على الشارع ليوم أو أسبوع، بل في كسب ثقة الأجيال القادمة لعقود طويلة.