حلب على خط النار: الكُرد وصراع الارض والهوية في سوريا المتصدعة

لم يكن الخلاف بين النظام السوري وقسد قائمًا على نزاع عسكري فحسب، بل على اختلاف جوهري وبالتحديد في الرؤية السياسية للجانبين ونظرتهم لمستقبل سوريا.

بعد فترة من الهدوء النسبي، وفي أوائل الشهر الحالي يناير/كانون الثاني 2026، تجددت الاشتباكات العنيفة بين القوات التابعة للحكومة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أحياء حلب ذات الغالبية الكُردية (شيخ مقصود وأشرفية).

من جهتها، أعلنت الحكومة السورية أن تلك الأحياء "مناطق عسكرية مغلقة"، وبدأت بقصف مواقع قسد والأحياء المدنية مستخدمة المدفعية والأسلحة الثقيلة، ما دفع الآلاف من السكان المدنيين، خاصة الأكراد، إلى النزوح هربًا من القصف والقتال.

وقد أدّى هذا القصف العنيف إلى مقتل وإصابة العشرات، وأشارت التقارير المحلية والدولية إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين من أحيائهم.

وهذه الاشتباكات لم تكن مفاجئة بالكامل، إذ تعكس تصعيدًا تدريجيًا بين النظام وقسد منذ أواخر 2025 بسبب خلافات على تنفيذ اتفاقات دمج القوات الكُردية في القوات النظامية التي تم التوصل إليها في مارس 2025، لكن تنفيذها تعثّر بسبب عوامل داخلية وخارجية.

جذور الصراع بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية

لم يكن الخلاف بين النظام السوري وقسد قائمًا على نزاع عسكري فحسب، بل على اختلاف جوهري وبالتحديد في الرؤية السياسية للجانبين ونظرتهم لمستقبل سوريا. لأن قسد تمثل القيادة الكُردية في شمال شرق سوريا، وتمتلك إدارة ذاتية وجهازًا أمنيًا وعسكريًا مسلحًا زائدًا علاقات دبلوماسية مع التحالف الدولي والأطراف المحيطة. وفي المقابل، ترى الحكومة السورية الجديدة أن هذا التشكّل الكُردي يشكل انفصالًا في سيادة الدولة ولا يقبله في إطار سوريا "موحّدة".

وكان الاتفاق الذي وُقّع في مارس/اذار 2025 يحاول دمج قسد في الدولة وتوزيع الوظائف الأمنية والمدنية، لكنه لم ينفذ بفعالية، ما خلق فجوة ثقة وعُدّة بين الطرفين.

دوافع النظام وراء التصعيد

تُظهر المعطيات الحالية على أرض الواقع أن النظام السوري الجديد يريد فرض سيطرته المركزية المطلقة على كامل التراب السوري بعد سنوات من التفكك والانقسامات. ويعتبر وجود قسد الكُردية تهديدًا لسيادته المزعومة ولمفهوم الدولة الواحدة التي يروج له النظام، محاولًا بذلك استغلال الظروف الدولية وضعف اهتمام الولايات المتحدة وأوروبا بسبب أزمات أخرى لتعزيز نفوذه.

وفي هذا السياق، أشار محللون إلى أن النظام السوري يستخدم المصطلحات العسكرية لإضفاء شرعية على عملياته العسكرية في المناطق الكُردية واتهام قسد بأنها "قوة مسلّحة خارجة عن القانون".

تداعيات إنسانية وسياسية على المدنيين

إن النزوح الكبير للمدنيين من أحياء حلب الكُردية يرفع من معاناة السكان ويكرّر نمطًا مأساويًا من النزوح الداخلي، إضافة إلى انهيار الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والاقتصاد المحلي بسبب الحرب والتهجير القسري.

أما من ناحية تداعيات الواقع الحالي على المشهد السياسي السوري، فإن عودة القتال بين فصائل سورية مختلفة تهدد بزعزعة الاستقرار الضعيف الذي سعى النظام لإعلانه بعد سقوط حكم الأسد. ويشكل فشل تنفيذ اتفاقات الدمج بين النظام وقسد عمق الانقسامات بين الطرفين، وليس مجرد توتر عابر.

الموقف الدولي والإقليمي

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دعما في السابق قوات سوريا الديمقراطية في الحرب على داعش، لكنهما حذران من الانخراط في مواجهة مباشرة مع الحكومة السورية الجديدة أو تركيا. وجُلّ دعمهم الآن يتجه نحو منع موجات أكبر من النزوح والكوارث الإنسانية، وليس دعمًا عسكريًا مباشرًا لقسد في مواجهة النظام.

تعتبر أنقرة قسد امتدادًا لحزب العمال الكُردستاني (PKK)، وتضغط على النظام وعلى قسد لإلغاء أي قوة كُردية شبه مستقلة قرب حدودها. الضغط التركي يزيد من تعقيد الموقف الكُردي، خاصة وأن أنقرة ما تزال تُصرّ على أن "رؤية كردية مسلحة" تعني تهديدًا أمنيًا مباشرًا لها.

مستقبل الكُرد في سوريا وسيناريوهات محتملة

1- اندماج محدود: استمرار محاولات الدمج داخل الدولة السورية مع محاولة انتزاع أكبر تنازلات ممكنة من قسد.

2- تقاسم سلطة هشّة: إبقاء الإدارة الذاتية الكُردية بصورة مؤقتة مع محاولة فرض قيود على وجودها العسكري والسياسي والدبلوماسي.

3- تصعيد أكبر: في حال فشل الحل السياسي، قد تتوسع الحرب بين النظام وقسد، ما يفتح الباب لتدخلات أكبر من قوى إقليمية، خاصة تركيا وإيران وإسرائيل وبعض الدول العربية.

وفي كل السيناريوهات، يبقى الموقف الكُردي مقلقًا ما لم يحصنوا أنفسهم أكثر، ويُحسَّن إطار الحماية الدولية لهم، ويتم وضع ضمانات سياسية مناسبة للكُرد بحيث تضمن حقوقهم ضمن سوريا الجديدة.

وختامًا، يجب القول إن الصراع بين النظام السوري الجديد وقسد في حلب هو أكثر من مجرد اشتباكات عسكرية؛ إنه تعبير عن صراع أعمق حول هوية الدولة السورية ومستقبل الحكم الذاتي وتوازن القوى بعد سنوات من الحرب الطويلة. واستمرار هذا الصراع يعكس أزمات بنيوية هيكلية في سوريا الجديدة، من صراع المركز والهوامش إلى تدخلات إقليمية وتردد القوى الكبرى. إن ما يدور في حلب اليوم قد يكون مؤشرًا لما إذا كانت سوريا ستشهد تواترا دائمًا للصراع، أو إذا ما كان قابلاً لإعادة بناء سياسي حقيقي يحترم تعددية مكوّناته العرقية والقومية والدينية.