من كُردستان إلى مصر الكنانة… مسرور يعانق إرث مصطفى البارزاني
في لحظة تاريخية حاسمة على صعيد السياسة الإقليمية والدولية، جاءت زيارة رئيس حكومة إقليم كُردستان، مسرور بارزاني، إلى مصر الكنانة لتؤكد أن العلاقات بين القاهرة وأربيل تمتلك جذورًا عميقة، وأنها قادرة على التجدد والارتقاء نحو شراكات استراتيجية. زيارة تحمل في طياتها دلالات سياسية واقتصادية وأمنية، وتعكس أيضًا قدرة الزعيم الكُردي على الجمع بين الإرث التاريخي والحس السياسي الراهن.
إعادة إحياء تاريخ العلاقات
لقد حملت الزيارة رسالة رمزية قوية حين ذكّرتنا باللقاء التاريخي الذي جمع جده الزعيم مصطفى البارزاني بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عام 1959، حيث استقبله عبد الناصر بحفاوة مؤكدًا دعمه الكامل لحقوق الأكراد القومية المشروعة في إطار العدالة والكرامة. واليوم يبدو أن مسرور بارزاني يسعى لإعادة ربط التاريخ بالواقع، مستحضرًا هذا الإرث في سبيل تعزيز الروابط بين القاهرة وأربيل على المستويات كافة.
أبعاد الزيارة السياسية والأمنية
زيارة مسرور بارزاني لمصر لم تكن مجرد تبادل مجاملات دبلوماسية، بل خطوة استراتيجية لها دلالات واسعة على المستوى الإقليمي والدولي. فبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، تُعدّ هذه الزيارة علامة على رغبة أربيل في تعزيز تحالفاتها الإقليمية بعيدًا عن التوترات الإقليمية، ما يعزز الاستقرار في منطقة حساسة. وبخصوص دول المنطقة، تحمل الزيارة إشارة إلى أن إقليم كُردستان يسعى إلى علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية المؤثرة، ويحرص على لعب دور دبلوماسي واعٍ في المنطقة. أما على الصعيد الأمني ومكافحة الإرهاب، فتمثل هذه الزيارة منصة لتنسيق الجهود بين القاهرة وأربيل في مواجهة التحديات المشتركة، بما في ذلك التطرف والإرهاب والملفات الأمنية.
الجانب الاقتصادي والاستثماري
الزيارة فتحت أبواب الحوار حول الاستثمارات والبنية التحتية والطاقة، وأكدت أن هناك إرادة مشتركة لتعزيز التعاون الاقتصادي، بما يشمل مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة والسياحة والتجارة، ما يجعل العلاقة بين الجانبين أكثر قوة واستدامة.
زيارة رمزية للمواقع التاريخية
لم تكن الزيارة سياسية فقط، بل حملت بعدًا حضاريًا، حيث زار مسرور بارزاني قلعة صلاح الدين الأيوبي، القائد الكُردي الفذ الذي سطّر الملاحم التاريخية في الشرق الأوسط، وعبّر بارزاني عن إعجابه بسيرة القائد ورسالته. كما تجوّل في الأهرامات والمتحف المصري، والأماكن الأثرية والثقافية، في إشارة إلى تقدير الحضارة والأسس الثقافية، وإلى أن العلاقات بين الشعوب لا تقوم على السياسة وحدها، بل على الاحترام المتبادل للتاريخ والتراث.
شخصية مسرور بارزاني وحنكته السياسية
مسرور بارزاني يُعرف بحنكته السياسية وعمق تجربته الدبلوماسية، فهو قادر على إدارة علاقات معقدة مع بغداد والدول الإقليمية والدول الكبرى، إضافة إلى قدرته على الموازنة بين المصلحة القومية للكُرد والمصالح الإقليمية، ما يجعله شخصية مؤثرة على مستوى الشرق الأوسط. فضلًا عن خطواته السياسية بروح استراتيجية طويلة الأمد، مستفيدًا من شخصية والده، رمز الحنكة والدبلوماسية في العراق والمنطقة، السيد مسعود بارزاني، ومن إرث جده، رمز الكفاح الكُردي، المرحوم مصطفى البارزاني. لكنه أيضًا، مسرور بارزاني، يُعدّ رجل الرؤية والبصيرة، ومواكبًا للمتغيرات الإقليمية والدولية.
الحجر الأساس لعلاقات مستقبلية
لقد شكّلت زيارة مسرور بارزاني إلى القاهرة حجر الأساس لمرحلة جديدة من العلاقات بين الجانبين؛ مرحلة تقوم على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والرؤية المستقبلية. ومع ما تحمله المنطقة من تحديات، تبدو القاهرة وأربيل أكثر إصرارًا على تحويل التاريخ المشترك إلى قوة دفع للمستقبل، وبناء شراكة تسهم في الاستقرار والتنمية، وتعيد التأكيد أن السياسة، حين تتكئ على التاريخ والحكمة، تكون أقدر على صناعة الغد.
إن هذه الزيارة تمثل حجر الأساس لعلاقات مستقبلية متينة بين مصر وإقليم كُردستان، حيث تمتد من التعاون السياسي والأمني إلى الاقتصاد والاستثمار، مرورًا بالرمزية التاريخية والثقافية. وفي عالم يشهد توترات إقليمية ودولية، تؤكد هذه الزيارة أن التاريخ والحكمة السياسية يمكن أن يكونا عامل استقرار حقيقي لشعوب المنطقة.