الفشل التنموي وحدود الادعاء السياسي: منطق تصدير النماذج غير المكتملة

 دولة الإمارات تبرز كنموذج تنموي واضح المعالم، لا بالشعارات، بل بالنتائج. حضورها المتقدم في مؤشرات التنافسية العالمية، وتصدرها إقليميًا في جذب الاستثمار الأجنبي، وتقدمها في جودة البنية التحتية، والحوكمة، والاستقرار.

لم يعد الإخفاق في العالم العربي مسألة عابرة أو نتيجة ظرف طارئ، بل أصبح في بعض الدول سياسة قائمة بذاتها، تُدار وتُبرَّر وتُعاد صياغتها ثم تُصدَّر إلى الخارج وكأنها مشروع إصلاحي. الأخطر من الفشل نفسه، هو الإصرار على إنكاره، ثم تقديمه للآخرين على أنه نموذج قابل للتطبيق.

وتُعد القدرة على التأثير الإقليمي والدولي نتاجًا مباشرًا للنجاح الداخلي، لا بديلًا عنه. فالدول، وفق أدبيات التنمية والسياسات العامة، لا تكتسب شرعيتها الخارجية من الخطاب السياسي أو من كثافة الحضور الإعلامي، بل من قدرتها على بناء نموذج تنموي مستقر، قابل للاستدامة، وقابل للنقل بوصفه تجربة ناجحة. من هذا المنطلق، يبرز في السياق العربي إشكال جوهري يتمثل في سعي بعض الدول إلى لعب أدوار خارجية فاعلة، في الوقت الذي تعاني فيه من اختلالات تنموية عميقة داخل حدودها

 دول لم تنجح في بناء حدٍّ أدنى من الاستقرار التنموي داخل حدودها، ولم تستطع أن تحقق تقدمًا يُذكر في المؤشرات الدولية الأساسية، ومع ذلك تصرّ على لعب أدوار إقليمية أكبر من واقعها الفعلي. اقتصادات تعاني من ضعف النمو، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الإنتاجية، وتدنّي جودة الخدمات، وغياب البيئة الجاذبة للاستثمار، ثم يُطلب من الآخرين تصديق خطاب “النهضة” القادم منها.

عند النظر إلى المؤشرات التنموية العالمية، تتضح الفجوة بجلاء. مؤشرات مثل:

• مؤشر التنمية البشرية

• مؤشر التنافسية العالمية

• مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال

• مؤشرات الشفافية وكفاءة المؤسسات

• مؤشرات جودة الحياة وجاذبية الاستثمار

 تكشف بوضوح أي الدول تبني، وأيها تستهلك الوقت في الخطابة. فالدول التي تتراجع باستمرار في هذه المؤشرات، أو تراوح مكانها منذ سنوات، لا يمكنها الادعاء بأنها تمتلك وصفة للإنقاذ أو نموذجًا للإصلاح.

 ورغم ذلك، تصرّ بعض الأنظمة على التدخل في شؤون دول أخرى، مستخدمة خطابا وصائيا متعاليا، وكأن الفشل الداخلي مؤهل إضافي للقيادة الخارجية. تُقدَّم مشاريع سياسية واقتصادية لم تُختبر بنجاح، وتُسوَّق أفكار لم تُنتج استقرارًا ولا نموًا ولا ثقة داخل حدودها.

وهنا يجب قول الحقيقة بوضوح ودون مجاملة: لا يمكن تصدير مشروع لم ينجح، ولا تسويق تجربة فاشلة، ولا فرض رؤية سقطت في اختبار الواقع.

 الشعوب العربية اليوم أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على المقارنة، وأقل قابلية للتضليل. هذه الشعوب ملّت من الفشل المتكرر، وملّت من محاولات إعادة تدويره وتصديره تحت مسميات جديدة. ملّت من أن تُطلب منها الثقة في أنظمة لم تحسّن مستوى معيشتها، ولم توفر فرصًا حقيقية لشبابها، ولم تبنِ مؤسسات تحمي المستقبل.

 في المقابل، تنظر قطاعات واسعة من الرأي العام العربي إلى تجارب ناجحة بميزان مختلف. وتبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج تنموي واضح المعالم، لا بالشعارات، بل بالنتائج. حضورها المتقدم في مؤشرات التنافسية العالمية، وتصدرها إقليميًا في جذب الاستثمار الأجنبي، وتقدمها في جودة البنية التحتية، والحوكمة، والاستقرار الاقتصادي، وجودة الحياة، لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية طويلة الأمد، وقرار سياسي ثابت، واستثمار حقيقي في الإنسان والمؤسسات.

 الفرق الجوهري أن الإمارات بدأت من الداخل، ونجحت داخليًا، ثم انطلقت خارجيًا. لم تطلب من أحد الاقتداء بها قبل أن تقدم أرقامًا، ولم تطرح نفسها نموذجًا قبل أن تُختبر تجربتها على الأرض. ولهذا تحظى تجربتها بالاحترام، وتُناقش في مراكز الدراسات، لا في البيانات الدعائية.

أما الدول التي تتراجع في المؤشرات، وتفشل في تحقيق الحد الأدنى من التنمية، ثم تحاول تعويض ذلك بأدوار خارجية، فعليها أن تدرك أن زمن الخطاب الفارغ انتهى. لا نفوذ بلا اقتصاد قوي، ولا قيادة بلا إنجاز، ولا شرعية سياسية بلا نتائج ملموسة.

والأهم: لا يمكن لدولة أن تُصلح الآخرين، وهي عاجزة عن إصلاح نفسها.

 الطريق واضح ولا يحتاج إلى مزيد من التنظير:

ابدأ من الداخل أولًا.

ارفع مؤشراتك التنموية، قوِّ مؤسساتك، وفّر حياة كريمة لمواطنيك، وحقق نموًا حقيقيًا.

بعدها فقط، يمكن الحديث عن تصدير التجارب أو لعب أدوار إقليمية.

أما الاستمرار في تصدير الفشل، فلن يصنع نهضة، إنما سيعمّق فقدان الثقة، داخليًا وخارجيًا على حد سواء