الارتياح مع اللا سلم واللا حرب

طهران تجيد المناورة وتوظيف الزمن لصالحها، لا تتعجل السلام أو تسأم من الحرب، مستعدة للدوران في الفلكين لأجل غير مسمى.

تؤكد الطريقة التي تتعامل بها كل من الولايات المتحدة وإيران ارتياحهما إلى المراوحة الراهنة. كل طرف ينظر إلى مطالب الآخر على أنها تنطوي على فرض نصر على الطرف الآخر، وإجباره على الاستسلام لتعزيز سرديته في دخول الحرب.

تشير كل الضربات والمناوشات والمفاوضات والتهديدات التي أعقبت التفاهم على وقف إطلاق النار في السابع من أبريل/نيسان الماضي، إلى تفضيل واشنطن وطهران السيولة على توقيع اتفاق مخيب للآمال ولا يضمن تحقيق الأهداف الرئيسية.

في كل مرة لاحت فيها ملامح الاقتراب من تسوية جيدة، يقوم أحد الطرفين باختلاق ذريعة للابتعاد عنها وتخريبها. مهما كان وهن الدوافع والأسباب والتفسيرات، تجد طريقها إلى الخطاب السياسي والإعلامي والعسكري بزعم أنها منقوصة ولا تقود إلى حل مناسب ينهي الأزمة. تستمر العجلة في الدوران من أجل العودة إلى المفاوضات أو ممانعتها من دون انقطاع التواصل المباشر وغير المباشر بينهما.

كأن هناك خيط رفيع يجذب الطرفين نحو عدم التنصل تماما من الجلوس على طاولة المفاوضات كوسيلة لتجاوز أزمة معقدة، قذفت بعواصفها وتداعياتها على منطقة الشرق الأوسط والعالم. جعلت قوى إقليمية ودولية عديدة تقترب منها وترى فيها نواة لتحولات واعدة، يمكن أن تلعب دورا في إعادة ترتيب المنطقة بما يتواءم مع مصالح جهات رئيسية تعتقد في أهمية الاستثمار الاستراتيجي في الحرب الإيرانية.

وفي كل مرة تظهر فيها معالم تؤكد العودة إلى الحرب، تنحني الولايات المتحدة أو إيران أمام السخونة السياسية التي تسبقها. يقدم كلاهما أو الوسيطة باكستان أو أي من القوى المعنية بالأزمة، مبررات للدخول في مباحثات جديدة. آخر تجليات هذا المحدد عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه استجاب لمطالب زعماء خليجيين لعدم شن عملية عسكرية يوم الثلاثاء. وقدمت واشنطن ردا تقوم طهران بدراسته.

بعيدا عن العوامل الحقيقية التي دفعت ترامب إلى الانحناء وإيران للتراجع، فهي في مجملها تصب في اتجاه الاقتناع بعدم العودة إلى حرب تزيد الأعباء على الإدارة الأميركية وتكلفها خسائر فادحة، وتؤدي إلى مزيد من الارتباك في تقديرات المجتمع الدولي. كما تؤشر على أن طهران تدرك فداحة الخسائر إذا تمسكت بتشددها.

إذا لم يُقدم الرئيس ترامب على التراجع، كان من الممكن أن تفعل إيران ما يقنعه بذلك. حوت الورقة الأخيرة التي سلمتها طهران إلى باكستان تغيرا نسبيا في بعض تفاصيل القضايا المختلف عليها، ربما لا ترقى إلى المستوى الذي تتنظره واشنطن، ويتمثل في الحصول على صيغة تضمن أن إيران قبلت صاغرة بشروط ترامب.

لم يعد هناك مجال للحديث عن فجوة بين خطابه الحاد وتصرفاته التي تتمتع بقدر من الليونة. يأخذ الخصوم على ترامب أنه ذهب إلى مربع أشد صعوبة. وما ضاعف من مأزقه أنه انتقل من أعلى الشجرة إلى سفح الجبل، ولا يعلم كيفية النزول من كليهما. لذلك جاء الرد الأميركي على طهران على درجة من الليونة لخلق قاعدة جديدة للتفاهم.

الفرق بين الإدارة الأميركية والقيادة الإيرانية أن أهداف الأولى غامضة، بما ينم عن ارتباك وعدم وضوح في الرؤية. بينما الثانية تعلم ماذا تريد، وكيف تحققه؟ بعد أن أحكمت قبضتها على مضيق هرمز ووضعته رهينة لتخفيف الضغوط عليها في الحرب وتستخدمه وسيلة لتحقيق سلام تسعى إلى الوصول إليه، بشكل ينهي مراوحة عمرها نحو نصف قرن. حيث تعتقد طهران أن هذه فرصة مناسبة لتصفية حساباتها مع الرؤساء الذين تعاقبوا على السلطة في الولايات المتحدة ولم تستطع التصدي لما فرضوه عليها من تصورات وعقوبات، قوضت الكثير من قدراتها الاقتصادية.

إذا لم تتمكن واشنطن من إنجاز مهمتها الحيوية في الملف النووي، وفشلت إيران في إزالة العقبات ورفع تجميد الأصول والحصول على تعويضات، من الأفضل أن يظل التذبذب مستمرا بين اللاسلم واللاحرب لأطول فترة.

تجيد طهران المناورة وتوظيف الزمن لصالحها. لا تتعجل السلام أو تسأم من الحرب. مستعدة للدوران في الفلكين لأجل غير مسمى. تعلم أن هذه الدائرة الجهنمية تعني حركة بلا تنازلات قسرية أو طوعية، وتأجيل لاستحقاقات داخلية وخارجية مهمة. ظهرت القدرة على التعايش بجلاء في ملف العقوبات الأميركية. نجحت طهران في الفكاك من جحيمها كثيرا، وتخفيف حدة نتائجها أحيانا. أفاد التمرين السابق على التأقلم مع العقوبات وإيجاد سبل لتخطي جوانب من عواقبها في تحدي طهران لواشنطن.

تبدو الولايات المتحدة غير مستعدة للصعود والهبوط مع إيران بلا أفق زمني. لن تستطيع تحمل هذه العملية فترة طويلة، على غرار طهران. هناك رأي عام ضاغط على ترامب. تكلفة داخلية متزايدة مع ارتفاع أسعار الطاقة. انتخابات مصيرية للتجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. كلها عوامل تفرض على الإدارة الأميركية الذهاب نحو تهدئة وتحاشي الحرب المفتوحة.

طالما أن الحسم بعيد المنال قد تكون حالتي اللاسلم واللاحرب مقنعة لترامب. تمكنه من الترويج لروايته السياسية. تناسب الهوة الشاسعة بينه وبين قطاعات كبيرة في بلاده ممن لم يقتنعوا أنه حقق نصرا في حرب تبيّن أن خوضها حدث بلا تخطيط كاف. هذه قناة جيدة للإدارة الأميركية لاحداث توازن في حساباتها الداخلية والخارجية. تجسير الفجوة مع إسرائيل التي يريد رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو العودة إلى الحرب مع إيران في أسرع وقت بهدف استكمال ما تبقى من أهدافه. لذلك يستفيد أيضا من المراوحة التي تمكنه في أجواء معينة من استئناف الحرب.

المشكلة أن الحالة الرمادية الراهنة سينجم عنها ارتفاع في منسوب الانسداد العالمي. يتخطى حدود تعطل سفن الطاقة وسلاسل الامدادات التجارية، ويصل إلى شلل كامل في منطقة الشرق الأوسط، وافصاح عن عدم الرغبة في التعايش. ما يعني أن الولايات المتحدة تواجه تململا واسعا من سياساتها. وإيران تواجه ضغوطا أكثر بسبب تصرفاتها المزعجة لعديد من دول العالم. قد تكون المراوحة مقبولة في وقت معين للحد من فرص العودة للحرب، لكن مرفوض تحويلها من حالة مؤقتة إلى دائمة. تدخل المنطقة في حالة ممتدة من التيه الاستراتيجي.