تحديات وحدة الساحات

بتوصية من إيران تمهل حزب الله في الدخول على حرب غزة، معتقدا أن إسرائيل لن تخوض معركتين في وقت واحد.

ظلت إيران ترفع شعار وحدة الساحات فترة طويلة. عزفت على هذا الوتر كثيرا باعتباره خيارا مصيريا لكل قوى المقاومة. أعلنت كثيرا أنها حليفة أساسية لهم، وأكبر من كونهم أذرعا وميليشيات وجماعات، أو وكلاء ينفذون أجندتها في المنطقة.

مرت العلاقة بين إيران وحزب الله اللبناني باختبار صعب الأيام الماضية، حيث تعرض الحزب إلى ضربات موجعة من إسرائيل. زادت قوات الإحتلال من توغلها داخل جنوب لبنان، وتجاوزت نهر الليطاني شمالا، دون أن تبدي إيران استعدادا واضحا لتطبيق مبدأ وحدة الساحات الذي يُلزمها بمساعدة الحزب عسكريا.

خفف تهديد المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء مساء الاثنين بقصف شمال إسرائيل ردا على اجتياح كانت قوات الإحتلال تنوي القيام به للضاحية الجنوبية في بيروت، من حدة اللوم والانتقادات والاتهامات التي وجهت إلى طهران مؤخرا.

 واضطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الإعلان عن وقف العملية الإسرائيلية باتجاه بيروت، والتمسك بوقف إطلاق النار، والتفاهم على ذلك مع كل من إسرائيل ولبنان.

دخل حزب الله الحرب ضد إسرائيل دعما لإيران وتطبيقا لمبدأ وحدة الساحات في الثاني من مارس/أذار الماضي، بينما لم يقم بذلك في الحرب الأولى التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في يوينو/حزيران من العام الماضي. كما لم تقم طهران بمساندة الحزب مباشرة في كثير من حروبه السابقة في مواجهة إسرائيل.

تخلت إيران عن دعم حركة حماس الفلسطينية عسكريا عندما تعرضت لضربات واسعة من قبل إسرائيل بعد عملية طوفان الأقصى في أكتوبر/ تشرين الأول المنصرم، معتقدة أنها سوف تستنزف إسرائيل تدريجيا، وأن الحرب مع المقاومة الفلسطينية لن تستمر طويلا، قياسا على الحروب السابقة، وترسيخا لما شاع بأن إسرائيل لا تطيق الحروب الطويلة، وهو ما نفته عمليا الحرب على كل من غزة ولبنان.  

تثير بعض المفارقات إشكاليات عدة حول التماسك والتفكك والانسجام والتناقض الذي يخيم على فكرة وحدة الساحات، وما يكتنفها من غموض بشأن متى يتم الأخذ بها، ولماذا يتم تجاهلها أحيانا، وما هي المواءمات التي ترجح كفة تطبيقها أو النأي عنها، وهل التطبيق يقتصر على الشق السياسي والعسكري، أم الاكتفاء بأحدهما؟

توفر الإجابة على هذه النوعية من الأسئلة الحرجة مساحة جيدة لتفسير وفهم ما جرى ويجري بشأن العلاقة بين إيران وحلفائها في كل من غزة ولبنان العراق واليمن، وتعتمد أساسا على تقديرات كل طرف ورؤيته للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه الحرب مع إسرائيل. فقد اعتقدت طهران عقب طوفان الأقصى ضرورة التريث في الدخول على خط المعركة التي تخوضها المقاومة الفلسطينية إلى حين استشراف آفاقها.

 تبنت إيران هذا الخيار بعد تطمينات وصلتها من الولايات المتحدة وجهات إقليمية بعدم الانخراط في حرب غزة، وهي لا تعلم أن إسرائيل تعمل على تقويض حلفاء ووكلاء طهران في المنطقة تدريجيا بدءا بإنهاء الوجود الإيراني في الأراضي السورية، ومحاولة تطويق تهديدات جماعة الحوثي في اليمن، وصولا إلى تدمير البنية العسكرية التحتية لحماس، والسعي نحو إجبارها على نزع سلاحها رسميا.

بتوصية من إيران تمهل حزب الله في الدخول على حرب غزة، معتقدا أن إسرائيل لن تخوض معركتين في وقت واحد. وبعد أن دمرت قوات الإحتلال غالبية قدرات المقاومة الصلبة في غزة، التفتت إلى الحزب وأرهقته كثيرا، ثم قبلت بوقف إطلاق نار برعاية أميركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، شهد آلاف الخروقات ولم يتم احترامه، وهو ما يتكرر حاليا، إذ أعلنت الولايات المتحدة وقفا لإطلاق النار والشروع في مفاوضات بين تل أبيب وبيروت في واشنطن لإيجاد تسوية سياسية، لكنها سمحت لإسرائيل بمواصلة ضرباتها في أنحاء مختلفة من لبنان تحت لافتة الدفاع عن النفس.

الفرق بين الحرب التي يخوضها حزب الله انتقاما لمقتل خامئني، وبين الحرب السابقة تضامنا متأخرا مع المقاومة الفلسطينية، أن الحرب الراهنة أكد فيها الحزب امتلاكه أسلحة تكتيكية أتعبت إسرائيل، إلا أنها دفعتها لمزيد من التدمير في لبنان، وفتحت الباب على مصارعيه لفتنة داخلية بين القوى اللبنانية، وقد تؤدي إلى فرز: منّ مع ومنّ ضد المقاومة، ومنّ يدعم السلام مع إسرائيل ومنّ يرفضه؟

مع أن إيران ضمنت في رؤيتها للتوقيع على اتفاق إطار مع واشنطن بندا يقضي بوقف الحرب على لبنان، غير أن إسرائيل زادت من وتيرة عملياتها العسكرية واستهدافاتها لعناصر حزب الله، وحصلت على ضوء أخضر من الولايات المتحدة لتتمكن الأخيرة من فصل المسار الإيراني عن اللبناني، ومضاعفة وسائل الضغط على طهران، ومنح إسرائيل براحا من الوقت لاستكمال أهدافها في جنوب لبنان. بيد أن فكرة الفصل أصبحت محل جدل بسبب صعوبة تطبيقها على الأرض.

تريد إسرائيل في لبنان تكرار تجربتها في غزة وسوريا، حيث تسيطر في القطاع على نحو 60 في المئة، وتهيمن على مناطق شاسعة جنوب دمشق ولا تحظى عملية القضم التي تقوم بها إسرائيل بإدانة ورفض دولي واسع، أو ممانعة أميركية صارمة، وقدمت واشنطن غطاء سياسيا كل مرة، مكن إسرائيل من الاحتفاظ بمكتسابتها.

ورغم التقدم المفرط في الأراضي اللبنانية وحاجة حزب الله إلى رافعة عسكرية تساعده على صد الهجمات التي تشنها إسرائيل، إلا أن إيران بدت بعيدة عن مساندته.

لم تطبق سريعا المنهج الذي أسسته والخاص بوحدة الساحات، كأن هذه الوحدة تظهر فقط لمساندة طهران عندما تحتاجها، وأن الحلفاء وُجدوا لمساعدة إيران فقط وهو ما انتبهت إليه إسرائيل وسعت لتفريغه من جزء معتبر من مضامينه العملياتية مؤخرا.

قد تكون طهران تريد الحفاظ على المسار التفاوضي مع واشنطن، وترى أنها قادرة على خدمة لبنان والدفاع عن حزب الله من خلال المفاوضات، لكن النتيجة الماثلة تقول إن واشنطن منتبهة جيدا لهذه المسألة، وتعمل على تكريس الفصل بين المسارين الإيراني واللبناني، ومنح إسرائيل الوقت لتصفية حساباتها مع حزب الله واستنزاف طهران في مفاوضات تتقدم وتتأخر، لكنها تظل معلّقة في رقبة الأهداف التي يريد نتنياهو تحقيقها في لبنان، يقينا بأن إيران لن تتحرك عمليا للحفاظ على مبدأ وحدة الساحات، والذي فقد جزءا من مفعوله بسبب الطريقة الانتقائية في تطبيقه.