المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية بعد تفاهم واشنطن وطهران: هل حان وقت اختبار السيادة؟

الرهان اللبناني الرسمي لا يقوم على انتظار نتائج التفاهمات الإقليمية فحسب، بل على تعزيز دور المؤسسات الشرعية بوصفها المرجعية الوحيدة القادرة على حماية السيادة الوطنية.

انطلقت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة في واشنطن وسط مشهد إقليمي شديد التعقيد، يختلط فيه ما هو لبناني بما هو أميركي وإيراني وإسرائيلي، في وقت لا تزال فيه تداعيات مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن وطهران في سويسرا الأسبوع الماضي تتفاعل على أكثر من مستوى.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الجولة أنها تأتي في لحظة سياسية يحاول فيها كل طرف تقديم قراءته الخاصة للمذكرة الأميركية – الإيرانية. فالمسؤولون الأميركيون يتحدثون إلى جمهورهم الداخلي بلغة تختلف عن اللغة التي يعتمدها المسؤولون الإيرانيون في مخاطبة الشارع داخل الجمهورية الإسلامية، فيما يسعى كل فريق إلى تسويق ما جرى بوصفه إنجازًا سياسيًا واستراتيجيًا لصالحه.

غير أنّ ضجيج التصريحات المتبادلة لا يغيّر حقيقة أساسية مفادها أنّ الاختبار الفعلي لأي تفاهم لا يُقاس بما يقال أمام عدسات الكاميرات، بل بما يترتب عليه من وقائع ملموسة على الأرض.

بين واشنطن وطهران... أين يقف لبنان؟

منذ الإعلان عن مذكرة التفاهم، امتلأت وسائل الإعلام بالتسريبات والتكهنات حول انعكاساتها المحتملة على عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها الملف اللبناني.

وتحدثت بعض التقارير عن نية قطر الإشراف على قنوات تواصل غير مباشرة بين إسرائيل وحزب الله، فيما أشارت معلومات أخرى إلى أنّ طهران تعتزم تخصيص جزء من الأموال التي سيُفرج عنها بموجب التفاهم لدعم حلفائها في المنطقة، ومن بينهم حزب الله.

وبصرف النظر عن مدى دقة هذه المعلومات أو حجم ما تحقق منها فعليًا، فإنها تعكس حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها، وهي أنّ لبنان لا يزال حاضرًا في حسابات القوى الإقليمية الكبرى بوصفه إحدى الساحات الأكثر حساسية في أي إعادة رسم للتوازنات في الشرق الأوسط.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنّ الدولة اللبنانية فقدت دورها أو أنّ المفاوضات الجارية في واشنطن أصبحت تفصيلًا هامشيًا في ظل التفاهم الأميركي – الإيراني.

خيار الدولة في مواجهة منطق المحاور

في المقابل، تبدو السلطات اللبنانية متمسكة بخيارٍ مختلف يقوم على التفاوض المباشر باعتباره الطريق الأقصر نحو استعادة الحقوق الوطنية وإنهاء الحرب المستمرة منذ أشهر.

وفي هذا السياق، اكتسبت مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون أهمية خاصة، ليس فقط بسبب تأكيده ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، بل أيضًا بسبب ربطه بين هذا الهدف وبين رفض الوصايات الخارجية بكل أشكالها. فالرئيس اللبناني لا يطرح معادلة تقوم على استبدال نفوذ خارجي بآخر، بل على استعادة القرار الوطني من جميع الجهات التي تنازعه عليه.

من هنا، فإنّ الرهان اللبناني الرسمي لا يقوم على انتظار نتائج التفاهمات الإقليمية فحسب، بل على تعزيز دور المؤسسات الشرعية بوصفها المرجعية الوحيدة القادرة على حماية السيادة الوطنية.

كيف تنظر إسرائيل إلى المرحلة المقبلة؟

في الجهة المقابلة، تبدو إسرائيل أكثر حذرًا في مقاربة نتائج مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية. فصحيح أنّ تل أبيب تراقب باهتمام ما يجري بين واشنطن وطهران، لكنها تدرك في الوقت نفسه أنّ أي تفاهم سياسي لن يكون كافيًا من وجهة نظرها ما لم ينعكس مباشرة على الواقع الأمني في جنوب لبنان.

ولهذا السبب، لا تبدو القيادة الإسرائيلية مستعدة للانتقال السريع إلى انسحاب كامل من المناطق التي تحتلها حاليًا، قبل الحصول على مؤشرات عملية تؤكد أن الظروف الميدانية تغيّرت بالفعل. ومن هنا تبرز فكرة الانسحاب التدريجي من بعض المناطق بوصفها مرحلة اختبار تسبق اتخاذ قرارات أكبر.

المناطق التجريبية واختبار الثقة

تقوم الفكرة المتداولة في بعض الأوساط السياسية والأمنية على أن تنسحب القوات الإسرائيلية من مناطق محددة بصورة مرحلية، لتتولى وحدات الجيش اللبناني مسؤولية الانتشار الكامل فيها.

وقد يشكل نجاح هذه التجربة، إذا حصلت، نقطة تحول مهمة في مسار المفاوضات. فمن وجهة النظر اللبنانية، يمكن لهذه الخطوة أن تؤكد قدرة الدولة على بسط سلطتها على الأرض واستعادة جزء من سيادتها الفعلية.

أما من وجهة النظر الإسرائيلية، فإنها قد توفر اختبارًا عمليًا لمستوى التزام الدولة اللبنانية بمنع عودة أي نشاط عسكري خارج إطار المؤسسات الشرعية.

وبذلك تتحول هذه المناطق إلى ما يشبه مختبرًا سياسيًا وأمنيًا لقياس مستوى الثقة بين الطرفين بعد سنوات طويلة من الحروب والمواجهات.

العقدة الحقيقية: سلاح حزب الله

ورغم أهمية ملفات الحدود والانسحاب والترتيبات الأمنية، فإنّ القضية التي لا تزال تحتل مركز الاهتمام الإسرائيلي تبقى مسألة سلاح حزب الله ومستقبله، فالمسؤولون الإسرائيليون يعلنون بصورة متكررة أنّ أي اتفاق طويل الأمد يجب أن يقود في نهاية المطاف إلى إنهاء الدور العسكري للحزب.

في المقابل، لا يزال الحزب يرفض هذا الطرح ويتمسك بموقفه المعروف، سواء من قضية السلاح أو من الشرعية اللبنانية ذاتها.

وبين الموقفين، تحاول الدولة اللبنانية السير على خط دقيق يوازن بين مقتضيات الاستقرار الداخلي ومتطلبات بناء دولة تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم.

هل حان وقت اختبار السيادة؟

قد تكون الجولة الخامسة من المفاوضات مختلفة عن سابقاتها لأنها تأتي في لحظة تشهد إعادة ترتيب واسعة للأوراق الإقليمية، لكن الأهم من كل التسريبات والتفاهمات والرهانات المتبادلة يبقى السؤال اللبناني نفسه، فإذا كانت مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية قد فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة، فإنّ النجاح الحقيقي لن يُقاس بحجم الأموال المفرج عنها أو بعدد الاجتماعات التي تُعقد في العواصم المختلفة.

المعيار الحقيقي سيكون قدرة الدولة اللبنانية على تحويل أي فرصة سياسية إلى واقع سيادي ملموس. وعندها فقط، لن يكون الحديث عن انسحاب إسرائيلي أو عن تفاهمات إقليمية مجرد عناوين سياسية عابرة، بل خطوة فعلية نحو بناء دولة تمتلك وحدها سلطة القرار على أرضها، وتستعيد حقها الكامل في إدارة شؤونها بعيدًا عن الاحتلال والوصايات معًا، ففي نهاية المطاف، لا تختبر المفاوضات الحالية حدود لبنان فحسب، بل تختبر أيضًا حدود قدرة الدولة اللبنانية على أن تكون الدولة الوحيدة في لبنان.