الكيديات اللبنانية بين أوهام الانتصارات وأزمنة الإنجازات

الإنجاز الحقيقي هو أن يعود اللبناني إلى منزله مطمئنًا وأن تستعيد الدولة سلطتها وينهض الاقتصاد وتتوقف الهجرة.

منذ أن خرج لبنان إلى الوجود كدولة مستقلة عام 1943، بدا وكأنه يقف عند تقاطع جغرافي وتاريخي شديد التعقيد. إلى الجنوب، قامت دولة إسرائيل عام 1948، حاملة معها صراعًا لم يهدأ يومًا. وإلى الشرق والشمال، استقلت سوريا عن الانتداب الفرنسي عام 1946، لتتحول العلاقة بين البلدين لاحقًا إلى واحدة من أكثر العلاقات التباسًا في الشرق الأوسط. أما غربًا، فيفتح البحر أبوابه على قبرص التي لا تزال، حتى اليوم، تحمل جرح الانقسام الناتج عن التدخل العسكري التركي عام 1974.

غير أنّ المشكلة اللبنانية لم تكن يومًا في الجغرافيا وحدها، بل في الطريقة التي تعامل بها اللبنانيون مع هذه الجغرافيا. فبدل أن تكون الحدود إطارًا لتعريف الدولة، تحولت في كثير من الأحيان إلى منافذ مفتوحة أمام الولاءات العابرة لها. وبدل أن يكون الخارج عنصرًا من عناصر التفاعل الطبيعي، أصبح جزءًا من تكوين الهوية السياسية لبعض القوى والتيارات.

ولهذا السبب تحديدًا، تبدو التطورات التي أعقبت مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية الأخيرة أكثر أهمية من مجرد كونها حدثًا دبلوماسيًا عابرًا. فهي أعادت طرح السؤال اللبناني القديم: هل يستطيع لبنان أن يكون لبنانًا أولًا، أم أنه سيبقى ساحة يتنازعها الآخرون؟

القلب الذي ضلّ طريقه

قبل عقود، غنّت باربرا سترايسند أغنيتها الشهيرة "ماي هارت بيلونغز تو مي"، في تعبير بسيط عن فكرة الاستقلال الشخصي وامتلاك الإنسان لقراره ومصيره. وربما تكمن مأساة الشرق الأوسط عمومًا، ولبنان خصوصًا، في أنّ هذه القاعدة البديهية لم تجد طريقها إلى السياسة. فالقلب الذي يفترض أن يكون مصدر الشجاعة والحكمة تحول في كثير من الأحيان إلى أداة ارتهان. وصار الانتماء العقائدي أو الطائفي أو الأيديولوجي يتقدم على الانتماء الوطني.

في التجربة الإسرائيلية، يمكن للمرء أن يختلف أو يتفق مع سياسات الدولة العبرية، لكن من الصعب إنكار حقيقة أنّ المشروع الوطني الإسرائيلي ظل منذ تأسيسه متمحورًا حول فكرة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها. وفي قبرص، لم يمنع الاحتلال التركي للشمال الشطر اليوناني من الانخراط في المؤسسات الأوروبية والتقدم اقتصاديًا وسياسيًا حتى حصل على كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي. أما في سوريا، فرغم الخراب الهائل الذي خلفته سنوات الحرب، فإنّ السلطة الجديدة تسعى اليوم إلى تثبيت موقعها الإقليمي والدولي وفق منطق الدولة ومصالحها المباشرة، لا وفق منطق المشاريع العابرة للحدود.

في المقابل، ظل لبنان لعقود طويلة أسير معادلة مختلفة تمامًا، عنوانها الدائم أنّ خلاصه يأتي من الخارج لا من داخله.

حين يصبح الخارج ساحة لتصفية الحسابات الداخلية

الكيدية السياسية ليست جديدة في لبنان. لكن ما يميز التجربة اللبنانية أنّ هذه الكيديات كثيرًا ما اتخذت شكل استدعاء الخارج للاستقواء به على الداخل.

هكذا تحولت الانقسامات اللبنانية تدريجيًا إلى امتدادات لصراعات إقليمية. فريق يراهن على هذه العاصمة، وفريق ينتظر تلك. جهة تربط مصيرها بمحور، وأخرى بمحور مضاد. وفي كل مرة كان لبنان يدفع الثمن.

من هنا، لا يمكن قراءة بعض ردود الفعل التي أعقبت مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية الأخيرة بمعزل عن هذا السياق التاريخي. فبدل أن ينشغل اللبنانيون بالسؤال عن انعكاسات الاتفاق على استقرار بلدهم، عاد البعض إلى لغة الاصطفافات القديمة، وكأن لبنان مجرد تفصيل صغير في معركة أكبر منه.

ولعل أكثر ما أثار الانتباه كان عودة شعارات من قبيل "شكرًا إيران" إلى الواجهة، في لحظة كان اللبنانيون ينتظرون فيها خطابًا يركز على الدولة ومؤسساتها ومستقبلها. فالمفارقة أنّ الاتفاق نفسه، بغض النظر عن تفاصيله غير المعلنة بالكامل، لا يبدو أنه يمنح أي طرف لبناني تفويضًا بالانتصار على الدولة أو تجاوزها. بل على العكس، يوحي بأنّ المرحلة المقبلة ستشهد ضغوطًا متزايدة من أجل إعادة الاعتبار إلى مفهوم السيادة الوطنية وإلى احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني.

من أوهام الانتصارات إلى حسابات الواقع

على امتداد العقود الماضية، عاش اللبنانيون على وقع سلسلة طويلة من "الانتصارات" المعلنة التي لم تنعكس ازدهارًا اقتصاديًا أو استقرارًا سياسيًا أو تقدمًا اجتماعيًا.

كانت الخطابات تتحدث عن الانتصار، فيما كانت الدولة تتراجع. وكانت الشعارات ترتفع، فيما كانت المؤسسات تضعف. وكان المواطن يزداد فقرًا وهجرة وعجزًا عن بناء مستقبله داخل بلده.

واليوم، يبدو أنّ جزءًا متزايدًا من اللبنانيين بدأ يراجع تلك المسلمات القديمة. فالكثير من اللبنانيين الذين أيّدوا سابقًا خيارات المواجهة المفتوحة باتوا ينظرون إلى نتائج ما سُمّي "حروب الإسناد" بوصفها عبئًا ثقيلًا على لبنان أكثر من كونها إنجازًا وطنيًا. ولم يعد السؤال يدور حول حجم التضحيات فقط، بل حول الجدوى السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لهذه التضحيات.

وهنا تكمن إحدى أهم التحولات الجارية في المجتمع اللبناني: الانتقال التدريجي من ثقافة تمجيد الصراع إلى ثقافة البحث عن النتائج.

الخوف من وصاية جديدة

لكن الخروج من وصاية لا يعني بالضرورة الوصول إلى السيادة. ففي خضم الحديث عن ترتيبات إقليمية جديدة، تبرز مخاوف مشروعة من أن يتحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة لتجارب الآخرين. ويزداد القلق خصوصًا مع تزايد الحديث عن أدوار إقليمية محتملة في معالجة ملف سلاح حزب الله.

المشكلة ليست في التعاون بين الدول، بل في أن يصبح القرار اللبناني رهينة لهذا التعاون. فلبنان الذي دفع أثمان الوصايات الفلسطينية والسورية والإيرانية لا يستطيع أن يحتمل بسهولة انتقالًا من وصاية إلى أخرى تحت أي عنوان كان.

كما أنّ أي محاولة لفرض حلول أمنية أو عسكرية لا تنطلق من التوافق الوطني ومؤسسات الدولة قد تفتح الباب أمام توترات خطيرة، بما في ذلك احتمالات الانزلاق إلى صراعات مذهبية لا يحتاجها أحد.

ولهذا، فإنّ نجاح أي تسوية مستقبلية يبقى مرتبطًا بقدرة الدولة اللبنانية نفسها على قيادة العملية، لا بالاكتفاء بتلقي نتائجها.

نافذة واشنطن وأزمنة الإنجازات

وسط هذا المشهد المعقد، تبدو المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية واحدة من أكثر المسارات أهمية منذ سنوات طويلة. فبعيدًا عن الأحكام المسبقة والمواقف الأيديولوجية، تطرح هذه المفاوضات سؤالًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد: هل يستطيع لبنان أن ينتقل أخيرًا من زمن الشعارات إلى زمن الإنجازات؟

الإنجاز الحقيقي ليس في تسجيل النقاط على الخصوم السياسيين. وليس في رفع سقف الخطابات. وليس في الادعاء بأنّ الخراب انتصار.

الإنجاز الحقيقي هو أن يعود اللبناني إلى منزله مطمئنًا. وأن تستعيد الدولة سلطتها. وأن ينهض الاقتصاد. وأن تتوقف الهجرة. وأن يصبح قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيًا لا إقليميًا.

من هنا، تبدو الجولة المقبلة من المفاوضات في واشنطن أكثر من مجرد اجتماع دبلوماسي جديد. إنها اختبار لفكرة لبنان نفسها.

لبنان بين الأمس والغد

ربما يكون الدرس الأهم الذي تعلّمه اللبنانيون خلال العقود الماضية أنّ الأوطان لا تُبنى بالكيديات، بل بالمؤسسات. ولا تنهض بالأوهام، بل بالإنجازات.

لقد أشرقت مع انتخاب جوزيف عون وتكليف نواف سلام ملامح مرحلة مختلفة تحاول إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة، بكل ما تعنيه الكلمة من سيادة وقانون ومؤسسات.

وإذا كان القرن الماضي قد شهد تراكم الأوهام اللبنانية، فإنّ التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في بناء قرن جديد يقوم على الواقعية السياسية والشجاعة الوطنية.

عندها فقط، قد يكتشف اللبنانيون أنّ الطريق إلى المستقبل لم يكن يمر يومًا عبر الأنفاق أو المحاور أو الوصايات، بل عبر الدولة التي طال انتظارها، الدولة التي لا تحتاج إلى أوهام الانتصارات لأنها تملك، ببساطة، إنجازاتها الخاصة.