من القدس إلى بيروت: هل حانت لحظة الشجاعة من أجل السلام

السلام لا يبدأ عادةً باتفاقيات مكتوبة بل يبدأ حين يجرؤ طرف ما على مخاطبة الطرف الآخر خارج لغة الحرب.

في الشرق الأوسط، اعتادت الشعوب أن تسمع خطابات الحرب أكثر مما تسمع خطابات السلام، فعلى مدى عقود طويلة، كانت اللغة السائدة بين لبنان وإسرائيل لغة المدافع والصواريخ والإنذارات العسكرية والبيانات الحربية. وكانت الحدود الجنوبية للبنان تُعرّف باعتبارها خط تماس دائم بين مشروعين متصارعين، لا باعتبارها حدودًا بين شعبين يمكن أن يتطلعا يومًا إلى مستقبل مختلف.

لهذا السبب، لم تمر الرسالتان اللتان وجّههما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى اللبنانيين مرورًا عابرًا في هذه الأوقات العصيبة.

قد يختلف اللبنانيون والعرب مع سياسات الحكومة الإسرائيلية أو مع كثير من مواقفها وقد يحملون تجاهها إرثًا طويلًا من الحروب والآلام والدماء، لكن السياسة الرصينة تقتضي التمييز دائمًا بين الموقف من طرف ما وبين القدرة على قراءة الرسائل التي يوجّهها.

والواقع أن الرسالتين حملتا ما هو أبعد من مجرد موقف سياسي آني. لقد حملتا دعوة علنية إلى التفكير بمستقبل مختلف على جانبي الحدود بين إسرائيل ولبنان.

عندما يتحدث الخصم بلغة السلام

قال نتنياهو إنّ إسرائيل ليست في حالة حرب مع اللبنانيين بل مع حزب الله، ودعا اللبنانيين إلى اغتنام فرصة بناء الأمن والازدهار بعد تفكيك البنية العسكرية للحزب.

أما هرتسوغ فاختار أن يتحدث بالعربية مباشرة إلى الشعب اللبناني وقيادته، وأن يربط بين السلام وبين سيادة لبنان واستقلاله، وأن يعلن حلمه بزيارة بيروت يومًا ما.

قد يرفض كثيرون هذه الطروحات وقد يشكك آخرون في نواياها، لكن مجرد صدورها بهذه الصيغة العلنية يمثل تطورًا سياسيًا يستحق التوقف عنده، لا سيما أن السلام لا يبدأ عادةً باتفاقيات مكتوبة بل يبدأ حين يجرؤ طرف ما على مخاطبة الطرف الآخر خارج لغة الحرب. ويبدأ حين تتحول فكرة اللقاء من خيانة إلى احتمال... ومن المستحيل بناء أي سلام إذا ظل كل طرف يتحدث فقط إلى جمهوره الداخلي.

الشجاعة الأصعب

لطالما ارتبط مفهوم الشجاعة في الشرق الأوسط بحمل السلاح. غير أن تجارب التاريخ تقول شيئًا مختلفًا. فالحرب تحتاج أحيانًا إلى قرار. أما السلام فيحتاج غالبًا إلى شجاعة أكبر.

لقد احتاج الأمر إلى شجاعة كي يذهب الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس عام 1977. واحتاج في تسعينيات القرن العشرين إلى شجاعة مماثلة لكي يوقّع الفلسطينيون والإسرائيليون "اتفاقية أوسلو" ولكي يوقع الملك حسين معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية. واحتاج أيضًا إلى الشجاعة ذاتها لكي تعترف دول عربية عديدة بأنّ مصالح شعوبها تستحق البحث عن بدائل للحروب الدائمة.

واليوم، يبدو أنّ السؤال نفسه يُطرح أمام لبنان. ليس حول الاستسلام كما يحاول البعض تصوير الأمر، بل حول ما إذا كان اللبنانيون مستعدون للنظر إلى المستقبل بعين مختلفة عن تلك التي حكمت المنطقة طوال نصف قرن.

لحظة الحقيقة اللبنانية

ربما يكون الجانب الأكثر حساسية في المشهد الراهن هو ما يحدث داخل لبنان نفسه، فبعد سنوات طويلة من الحروب والمواجهات والشعارات الكبرى، بدأ جزء متزايد من اللبنانيين يطرح أسئلة لم تكن مطروحة بهذا الوضوح سابقًا.

ماذا حققت الحروب المتتالية؟ وماذا جلبت "حروب الإسناد" للبنان؟ وما هي الحصيلة الفعلية لعقود من تحويل البلاد إلى ساحة مواجهة إقليمية؟

بالنسبة إلى أعداد متزايدة من اللبنانيين، لم تعد الإجابة مرتبطة بالشعارات بقدر ما أصبحت مرتبطة بالوقائع: قرى مدمرة، اقتصاد منهار، استثمارات هاربة، شباب يهاجرون، ودولة عاجزة عن بسط سلطتها الكاملة على أراضيها. لهذا السبب، بات كثيرون ينظرون إلى مغامرات حزب الله العسكرية بوصفها استنزافًا مستمرًا للبنان أكثر مما هي مشروعًا لحمايته.

بين ثقافة الحرب وثقافة الدولة

تكمن المعضلة الحقيقية في أنّ لبنان يقف اليوم بين رؤيتين متناقضتين: الأولى ترى أنّ بقاء السلاح خارج الدولة ضرورة دائمة. والثانية ترى أنّ بناء الدولة لا يمكن أن يكتمل إلا إذا أصبحت هي صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم.

ومن هنا تكتسب الرسائل الإسرائيلية أهميتها السياسية. فهي لا تضع اللبنانيين أمام سؤال يتعلق بإسرائيل فقط بل أمام سؤال يتعلق بأنفسهم أولًا.

أي لبنان يريدون؟ لبنان الساحات المفتوحة للصراعات الإقليمية؟ أم لبنان الدولة الطبيعية التي تدير علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية؟

فرصة قد لا تتكرر

لا أحد يستطيع الجزم بأن السلام بين لبنان وإسرائيل بات قريبًا. ولا أحد يستطيع تجاهل حجم الجراح التاريخية بين الطرفين. لكن المؤكد أنّ المنطقة تتغير بسرعة غير مسبوقة. والدول التي تنجح عادة ليست تلك التي تبقى أسيرة ذاكرة الماضي، بل تلك التي تعرف كيف تستفيد من تحولات الحاضر.

لهذا تبدو الرسالتان الصادرتان من القدس أبعد من مجرد تصريحات إعلامية. إنهما بمثابة اختبار سياسي وأخلاقي ونفسي للبنان.

اختبار لمعرفة ما إذا كان اللبنانيون مستعدين أخيرًا للانتقال من منطق الحرب الدائمة إلى منطق الدولة الدائمة. ومن منطق التعبئة إلى منطق البناء. ومن ثقافة الانتصارات المعلنة إلى ثقافة النتائج الملموسة.

ففي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت إسرائيل تمد يدها إلى لبنان. بل ما إذا كان لبنان نفسه مستعدًا لأن يمد يده إلى مستقبله.