بين تل أبيب وطهران... هل عاد الشرق الأوسط إلى معادلة النار

إيران تستخدم الساحة اللبنانية كصمام أمان لردع أي هجوم مباشر على أراضيها، وتحويل لبنان إلى خط دفاع أمامي لحماية برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي.

لم تكد تمر أسابيع قليلة على الهدنة الهشة التي أوقفت القتال المباشر بين إسرائيل وإيران، حتى عادت المنطقة لتعيش على صفيح ساخن من جديد، فالغارات الإسرائيلية الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت لم تكن مجرد جولة قصف عادية، بل حملت رسائل سياسية قوية تتجاوز حدود لبنان، لتفتح ملف الصراع الأكبر والمستمر على من يمسك بزمام الأمور والنفوذ في الشرق الأوسط.

فخلال السنوات الماضية ركزت اسرائيل كل جهودها لتفكيك ما تسميه الهلال الايراني. كما ظنت القيادة الإسرائيلية أن الضربات القاسية والموجعة التي يتلقاها حزب الله، ستجبر طهران على التراجع والانكفاء داخل حدودها.

لكن ما جرى مؤخراً أثبت العكس، فطهران أكدت بالدليل الميداني أنها ما زالت تملك أوراقاً قوية للضغط وأنها لا يمكن أن تتخلى عن لبنان باعتباره خط دفاع أساسي عن أمنها الإقليمي و​إذا نظرنا للأمر بعيون إسرائيلية، سنجد أن الهدف الأساسي والملحّ الآن هو منع حزب الله من التقاط أنفاسه وإعادة بناء ترسانته العسكرية، وقطع الطريق نهائياً على أي وجود سياسي أو عسكري لإيران بالقرب من حدودها.

 وترى تل أبيب أن أي تهدئة لا تضمن تحقيق هذا الهدف هي مجرد استراحة محارب مؤقتة، سيعقبها انفجار أكبر في المستقبل. لهذا السبب، تصر إسرائيل على استراتيجية الضربات الاستباقية لفرض واقع جديد بالقوة يغير موازين القوى لصالحها.

وفي المقابل، تقرأ إيران المشهد بطريقة مغايرة تماماً، فالقصة بالنسبة إليها لا تختصر في الساحة اللبنانية وحدها، بل تمس هيبتها ومكانتها في المنطقة ككل. وهنا تبرز حقيقة يراها الكثير من المراقبين بوضوح، وهو انّ الدعم الإيراني اللامحدود للبنان وحلفائها فيه ليس مجرد مساعدة أخوية وعقائدية كما يتصورها البعض أو دفاعاً مجرداً عن اللبنانيين، بل هو في عمقه استثمار سياسي وعسكري يخدم مصالح طهران الحيوية أولاً وأخيراً.

فإيران تستخدم الساحة اللبنانية كصمام أمان لردع أي هجوم مباشر على أراضيها، وتحويل لبنان إلى خط دفاع أمامي لحماية برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. إن خسارة طهران لنفوذها في لبنان تعني ببساطة تراجع أوراق قوتها في أي مفاوضات دولية، لذلك استماتت لإثبات أنها ما زالت قادرة على حماية حلفائها والرد على خصومها.

ومن هنا، فهم الجميع الرسالة الإيرانية التي ربطت بوضوح بين مسار المفاوضات مع أميركا وبين وقف التصعيد الإسرائيلي في لبنان، وكأنها تقول إن أمن حلفائها من أمنها الشخصي. ​ولم تقف أوراق الضغط الإيرانية عند حدود جبهة الشمال، بل امتدت لتشمل لغة تهديد واضحة ومقلقة في ممرات الملاحة الدولية، وتحديداً في باب المندب.

فالتلويح بتصعيد العمليات العسكرية وهجمات المسيرات والصواريخ في هذا الممر المائي الاستراتيجي يعد ورقة قوة إضافية تحركها طهران، لتبث رسالة مفادها أن أي محاولة لخنقها أو إضعاف حلفائها في بيروت ستقابلها فوضى عارمة تضرب حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة في البحر الأحمر.

وفي ​وسط هذه الأجواء المشحونة، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تحاول جاهدة الموازنة بين دعمها المطلق لحليفتها إسرائيل، وبين خوفها من اندلاع حرب شاملة تأكل الأخضر واليابس وتشتعل معها جبهات المياه من المتوسط إلى باب المندب.

ورغم أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تكرر دائماً التزامها بحماية إسرائيل، إلا أنها تدرك في الوقت نفسه أن أي حريق واسع في المنطقة سيهدد مصالحها الحيوية، ويضرب الاقتصاد العالمي وأسواق النفط. وهذا الموقف المتأرجح جعل من السياسة الأميركية تبدو متناقضة ومليئة بالغموض في كثير من الأحيان، فهي تمنح إسرائيل الضوء الأخضر والوقت الكافي للتحرك عسكرياً، لكنها تسارع للتدخل والتهدئة عندما تشعر أن الأمور أوشكت على الخروج عن السيطرة، فإن نجحت إسرائيل مشت معها وان أخفقت هدّأت الوضع، وهذا التذبذب جعل من موقف الرئيس الأميركي ترامب كمثل ابليس إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك، فأميركا تدفع الأطراف أحياناً نحو حافة الهاوية، ثم تتراجع وتتبرأ من العواقب عندما تتأزم الأمور.​

وما يشغل بال الكثيرين حالياً هو ما إذا كانت إيران قد استعادت قوتها السابقة في المنطقة، فالواقع يقول إن الأمور ليست بالأبيض والأسود. من المؤكد أن إيران لم تعد بنفس القوة والحرية التي كانت عليها قبل سنوات، فقد تلقت شبكتها الإقليمية ضربات قاصمة، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والضغوط العسكرية التي تخنقها داخلياً وخارجياً.

لكن في الوقت نفسه، أثبتت طهران أنها عصية على الانكسار الاستراتيجي، وأنها لا تزال رقماً صعباً في المعادلة لا يمكن تجاوز أوراقها الممتدة من ضاحية بيروت إلى مضيق باب المندب، ولا يمكن صياغة أي تسوية في المنطقة دون عمل حساب لها.

ويتضح أن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد جولة قصف متبادل أو اشتباك عسكري عابر بين إسرائيل وإيران، بل هو صراع عميق ومصيري على شكل المنطقة في المستقبل. فإسرائيل تريد شرقاً أوسط جديداً بلا نفوذ إيراني.

 وطهران تقاتل لتثبت أن مشروعها ما زال حياً ويملك مقومات البقاء لحماية مصالحها الخاصة رغم كل الحروب والضغوط. وبينما تحاول أميركا ضبط الإيقاع ومنع الانفجار الكبير، يجد لبنان نفسه، كما كان دائماً عبر التاريخ، الساحة الأساسية لتصفية الحسابات واختبار القوة، وساحة لصراع الكبار على اراضيه، ومن هنا، يصبح من الواضح أن الهدنة الأخيرة لم تكن نهاية المطاف، بل مجرد محطة مؤقتة في حرب استنزاف طويلة، فالصراع الحقيقي ليس على صاروخ أُطلق أو غارة نُفذت، بل هو صراع على من سيرسم خريطة الشرق الأوسط في السنوات القادمة.