الانتخابات الأميركية أعادت الأهمية لوسائل الإعلام التقليدية

بقي العالم برمته يدور على أجهزته الذكية بحثا عن معلومة مرتقبة، ومارست وسائل التواصل الاجتماعي الضغط على غرف الأخبار في وسائل الإعلام التقليدية لإخراج الأمور بسرعة وإن كانت على حساب الثقة والدقة.


الصحافة تعلمت الدرس: من المهم أن تكون على حق أكثر من أن تكون أولا

إذا كان التاريخ سيكتب يوما ما بأننا عشنا العصر الأكثر أورويلية، لأن الحرب على الحقيقة بلغت ذروتها، فإن التاريخ نفسه وهو يفكر في وسائل التواصل الاجتماعي بكونها الوسائط المعادية لطبيعة المجتمع السوية. سيذكر أيضا أن انتخابات الرئاسة الأميركية 2020 قد أعادت الأهمية إلى وسائل الإعلام التقليدية.

كانت هناك كذبة، اثنتان، والثالثة آتية في الطريق حتما، بل أكاذيب متصاعدة ومستمرة، إلا أن الجمهور عرف أن الحقيقة تكمن في غير ما هو متاح على مواقع التواصل. بينما تبوّأت استطلاعات الرأي أعلى مكانة للوظائف المملة على هذا الكوكب.

وتعرضت الصحف المرموقة والقنوات التلفزيونية لضغوط بث مزاعم الفوز قبل أوانها سواء من دونالد ترامب أو جو بايدن على أساس أنها “أخبار”، مع إدراكها أن نشرها يرقى إلى مستوى التضليل الخطير الذي يمكن أن يثير العنف ويقوّض العملية الديمقراطية.

إيفلين دويك: نحن في هذا عالم جديد شجاع يتميز بالاعتدال في المحتوى الإخباري الذي يقع خارج النظام الثنائي الخاطئ للإزالة والإلغاء

إيفلين دويك: نحن في هذا عالم جديد شجاع يتميز بالاعتدال في المحتوى الإخباري الذي يقع خارج النظام الثنائي الخاطئ للإزالة والإلغاء

لنا أن نتخيل جميعا ذلك؛ كان فريق غرفة الأخبار يعيش تلك الفكرة طوال الليل دون أن يتخلى عن أقداح الشاي والقهوة بوصفها مساعدا أمينا لعدم فقد التركيز.

لكن لم تواجه وسائل التواصل الاجتماعي مثل هذا الضغط، لسبب متعلق بتراجع حساسيتها الإخبارية وضعف مسؤوليتها.

ولم يكن لدى المؤسسات الإخبارية عالية المسؤولية أي عذر لعدم الاستعداد لمثل هذا الاحتمال، وفق فيفيان شيلر المديرة الرقمية السابقة لمحطة “أن.بي.سي نيوز”، فعناوين مثل “ترامب يعلن النصر” على وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن تشكل الرأي العام وتصبح سلاحا ضد الحقيقة والثقة في العملية الديمقراطية.

الأميركيون كانوا يعتقدون أن فشل الديمقراطية تحتكره دول أخرى، لكن الواقع أن الديمقراطية، بحسب الكاتب غيديون راكمان، يمكن أن تفشل في أيّ مكان. فهي لا تقتصر على التصويت، بل تتطلب صحافة حرة وخدمات عامة قوية ومحاكم مستقلة ودستورا، وأهم من ذلك كلّه الثقافة الديمقراطية التي يقبل فيها الخاسرون نتيجة الانتخابات. ففشل “الديمقراطية” على سبيل المثال التي شرعها الاحتلال الأميركي في العراق مثّل مأساة للعراقيين وحدهم ولكن فشل الديمقراطية في الولايات المتحدة سيكون مأساة عالمية.

وهكذا كانت الصحافة تعمل بجدّ عندما عرف الجمهور الخاسر الأكبر قبل أن تقفل صناديق الاقتراع، كانت الديمقراطية والحقيقة والثقة، الولايات المتحدة كانت الخاسر الأكبر بغض النظر إن خسر دونالد ترامب أو فاز جو بايدن.

بقي العالم برمته يدور على أجهزته الذكية بحثا عن معلومة غائبة أو متوقعة، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تمارس الضغط على غرف الأخبار في وسائل الإعلام التقليدية لإخراج الأمور بسرعة وإن كان على حساب الثقة والدقة. لكن الصحافة تعلمت الدرس هذه المرة؛ من المهم أن تكون على حق أكثر من أن تكون أولا.

لذلك تعاملت وسائل الإعلام بحذر شديد مع فكرة الحسم والفائز في مشهد انتخابي سام، معيدة الثقة لصناعة الأفكار وتحليل المعلومات التي تفتقر إليها وسائل التواصل الاجتماعي.

في المقابل فشلت كبرى المنصات، فيسبوك وتويتر، حيث تتفشى العواطف والتكهنات، بالضغط على وسائل الإعلام لأنها لم تقدّم أكثر مما كان متوقعا منها، فيما التحذيرات التي رافقت انتخابات سامة لم يشهدها التاريخ الأميركي جعلت تلك المنصات تتراجع خطوة إلى الوراء.

وهكذا صارت مقاييس النجاح الإخباري في تلك الانتخابات التي شدّت العالم، مختلفة، ولم يعد ينتهي النجاح عند فيسبوك وإن كان هناك أكثر من ملياري مستخدم. كانت صحيفة نيويورك تايمز على سبيل المثال تقدم قراءات ذكية في صناعة الرأي وتستكتب متخصصين أكثر من علوم السياسة والقانون والفكر، كان ثمة من يدلي برأي يمنح القراء في مختلف دول العالم فرصة تأمّل المشهد الأميركي الملتبس بعمق.

لقد فعلت صحيفة الغارديان البريطانية أكثر من ذلك وهي تشد ملايين القراء إلى محتواها.

وهكذا جعل ترامب وسائل الإعلام التقليدية عظيمة مرة أخرى، ليس لأنه حرض عليها الناس عندما شيطنها ووصفها بالبذرة الفاسدة، لكنه بالجدل الذي يثيره عن الحقيقة والثقة، دفع الجمهور إلى البحث بجد عن الحقيقة، وفي كل الأحوال لم يجدها في فيسبوك أو تويتر.

التغيير في النظر إلى وسائل الإعلام التقليدية ابتدأ من الانتخابات الرئاسية الأميركية، فقد كان الصوت الواضح يبرز من صحافة أكثر تنوّعا وتوغلا في الأروقة السياسية غير المرئية للجمهور، الأمر الذي دفع الكثير من المراسلين والمحللين فضلا عن المتابعين للإشارة إلى علامات التغيير.

في عام 2016 ، كان عدم فهم صعود ترامب أحد أهم الإخفاقات التاريخية للصحافة، لذلك كان تكرار مثل هذا الخطأ سواء بتوقع فوز ترامب أو هزيمته يبدو أسوأ من بقاء ترامب نفسه في البيت الأبيض بالنسبة إلى وسائل الإعلام.

تقول إيفلين دويك الأستاذة في كلية الحقوق بجامعة هارفارد “نحن في هذا عالم جديد شجاع يتميز بالاعتدال في المحتوى الإخباري الذي يقع خارج النظام الثنائي الخاطئ للإزالة والإلغاء”.

لذلك ستكون الانتخابات الرئاسية الأميركية انعطافة فاصلة في التاريخ الإعلامي، حيث تواجه المنصات الرقمية تحوّل المدّ في جميع أنحاء العالم، وتضع الحكومات أمام تحدّي تنفيذ مكافحة الاحتكار الذي أضرّ بالصحافة وجعلها تعيش عقودا ليست عادلة بحقها.

الصحافة بعد الانتخابات الأميركية، كما الديمقراطية أمام تحدّي الثقة، فالولايات المتحدة طالما احتفت بلقب “زعيمة العالم الحر”. وكانت الانتخابات مثالا حيا للديمقراطية، وفق تعبير غيديون راكمان في صحيفة فاينانشيال تايمز. لكننا على موعد مع انتخابات نهايتها ليس لها مثيل. فالناس في كل العالم يتابعون عن كثب، ليس ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع، وإنما أيّ مؤشرات للاحتجاج على النتيجة في المحاكم أو في الشارع. وذلك يعني اختبارا جديدا للصحافة وهي ترتقي المنصة للعودة إلى مكانتها المفترضة.