البحث عن ذلك المجهول في "الليلة العجيبة"

رواية "الليلة العجيبة" تتناول بأسلوب رشيق حلقة مفصلية في حياة شخصية عسكرية بناءً على المذكرات التي دونها الأخير قبل أن يسقطَ قتيلاً في معركة "راوروسكا". 


ما أن يفهم أي شخص ذلك الإنسان فيه حتي يفهم جميع البشر


الراوي يسترسلُ فيما كانت عليه مشاعره وأيامه المتراكمة من الخواء 


التقلب ملمحُ أساسي في شخصيات زفايغ

يتباينُ مستوى توظيف المكونات السردية في بناء الرواية من كاتب إلى آخر، وقد يكونُ الحشدُ الكرنفالي هو ما يعقدُ عليه الرهان لتحبيك الهوية الروائية، مثلما تجدُ ذلك في رواية "الصخب والنسيان" لميلان كونديرا أو رواية "رقصة النصر" لأنطونيو سكارميتا أو "الطائر اللمون" لجيرزي كوزنيسكي إذ تتوالي المشاهد على امتداد الرواية، وتنضمُ إلى تيارها شخصيات جديدة، وبهذا يتضاعفُ التشويقُ مع تشابك العقد. ومن المعلوم بأنَّ الروايات المكتوبة بنزعة ملحمية تتداخلُ فيها الحبكات بحيثُ أنَّ كل وحدة تبدو في شكل قصة مُتكاملة.
بالمقابل ثمة مسلك آخر في الكتابة الروائية من مواصفتها شخصيات محدودة ولن يكون للخلفية المكانية إلا دور مكمل. وقد يتاقطعُ التكوين المكاني مع تركيبة الشخصية بحيثُ يتحولُ المكان إلى معادل موضوعي لبعدها النفسي.
زدْ على ما سبق فإنَّ الراوي لا يصرفُ عدسته عن الشخصية المحورية التي تتشكلُ بنية الحدث على اثر حركتها. الأمر الذي تراهُ قواماً لروايات الكاتب النمساوي ستيفان زفايغ. واللافتُ في عناوين أعماله هو الإحالة إلى الشخصية أو الحدث. لاعب الشطرنج، المجهول، رسالة من مجهولة، التحول. كذلك الحالُ بالنسبة لنصه الروائي المعنون بـ"اللعبة العجيبة" و"آموك سَعار الحب".

الشعور الإيجابي الذي غمر الراوي زاده اقتناعا بأنَّ مصدر السعادة يكمنُ في العطاء، لذا يبسطُ يده كل البسط، ويتحررُ من القشرة التي قد حالت بينه وبين الحياة على سعتها ومذاق دفئها

إضافة إلى ما ذكر آنفاً. فإنَّ التقلب ملمحُ أساسي في شخصيات زفايغ، ويكونُ الاستبطان الداخلي آليةً أمثل لرصد التحولات في تكوين الشخصية الرئيسة، كما أنَّ الحوار له نصيب في تشكيلة روايات صاحب "عالم الأمس"، ومن المعروف أنَّ رؤية زفايغ لتصميم العمل الروائي تنعكسُ في شكل كتابته، فبرأيه أن الزخارف في التعبير لا تضيفُ إلى بنية السرد الروائي بل تعيقُ نمو الحدث وتطوره، وبما أنَّ سيتفان زفايغ يكتبُ بمزاج القاريء، لذا فمن الطبيعي إذابة الجليد بينه وبين مضامين مؤلفاته الروائية بمجرد أن يقع النظر على الجملة الاستهلالية. وهذه "الكيمياء" تنسحبُ على كل ما ألفهُ ستيفان زيفانغ بما فيه رواية "اللعبة العجيبة".
مشاعر متبلدة
تتناولُ رواية "الليلة العجيبة" بأسلوب رشيق حلقة مفصلية في حياة شخصية عسكرية فريديرتش ميكائيل فون آر ملازم الفرسان النمساوي بناءً على المذكرات التي دونها الأخير قبل أن يسقطَ قتيلاً في معركة "راوروسكا". إذن تعتمدُ الرواية على بنية المدونة فلن يكون الراوي سوى فريديرتش الذي نشأَ على كنف بيئة بورجوازية. 
ما يسردهُ الراوي عن تلك الليلة العجيبة ظل طي الكتمان إلى قرر إلى إعادة تمثيل ما يسميه بالمُغامرة لافتاً في هذا السياق إلى عدم درايته بتقنية الكتابة والترتيب الذي يناسبُ الحدث والمصادفات التي عاشها وصولاً إلى اللحظة التي تشهدُ فيها حياتهُ انقلاباً إذ يخترقُ جداراً يفصلهُ عن صميم الحياة، فبالتالي تدب المشاعرُ في شراينه المتبلدة. فقد بلغَ المُتكلمُ السادسة والثلاثين من عمره وارثاً ثروة من والديه تمكنهُ من العيش دون أن يحتاج إلى البحث عن أي مصدر للتكسب. غير أنَّ هذا الواقع زادهُ إحساساً بالرتابة والخمول. وقد ملَّ من اهتمام المجتمع بمظهره المتميز لم يسد نبله وماله الفراغ الذي تركه غياب الطموح. إذن يتبدلُ نمط حياته بعد اختباره تجربة مُفاجئة ولم تعد أيامه متشابهة. 
يسترسلُ الراوي فيما كانت عليه مشاعره وأيامه المتراكمة من الخواء قبل أن ينصرف إلى فصل جديد من حياته، وتلوحُ بوادر التحول من ميدان السباقات إذ أن مشهد تفاعل الجماهير مع انطلاقة مسابقة الخيول ومعرفة المنعطف الذي يصله المتسابقون من خلال حركة رأس الجمهور والتطويح بالبطاقات يزيدُ من حركية الأجواء، لكن كل ذلك يمرُ عابراً دون أن يكون له وقع على مشاعر الراوي إلى أنْ تصعقه رؤيته لامرأة، وهي بخلاف كثير من النساء اللائي ملَّ منهنَّ، قد لفتت نظره بمواصفتها الجسدية المتناسقة إذ لا تفوت الراوي الإشارة إلى شامتها وفستانها وجمالها الآخذ، لكن هذا الإعجاب المثير لا يريدُ الراوي الإفصاح عنه. 
لا تغيبُ المرأة بمفاتنها المتوحشة وضحكتها المغرية عن المشهد، وهي تحظى باهتمام المحيطين بها، فأصبحت شحنات هذه الشخصية المثيرة مبثوثة في الفضاء، وما كان يشغلُ ذهن الراوي إلا ملاعبة المرأة ومتابعة حركاتها المُتغنجة وجمحت به الإثارة إلى تخيل المرأة في وضعها الحميمي.
وما يعقبُ هذا المفصل من الرواية يخالفُ أفق توقع القاريء لا يستمرُ حضور المرأة ولا تشاركُ الراوي البطولة إلى نهاية الرواية بل يفهمُ بأنَّ وجودها حلقة من سلسلة الأحداث المُتتابعة. فبينما تتناثرُ تذاكر السباق للمراهن البدين الذي يرافقُ المرأة يضعُ الراوي قدمه على تذكرة متطايرة أمامه مستمتعاً برؤية الرجل يبحث عنها. 

novel
ملاعبة المرأة ومتابعة حركاتها المُتغنجة

يختفي لاجوس قبل أن يعيد إليه التذكرة الزرقاء. واللامتوقع في هذا السياق أنَّ المتسابق الذي يفوز يكون رقمه مطابقاً لرقم التذكرة الزرقاء. والحال هذه يتفاجأُ الراوي بهذا التطور وتداهمه المشاعر المتناقضة لم تخلُ من تأنيب الضمير، لأنَّه قد سطا على ما ليس من حقه. أراد البحث عن لاجوس ليسلمه المال كما فكر في تمزيق الأوراق النقدية لكن كل ذلك قد يفتحُ باب الأزمة ويثير الشبهات حوله. والأغربُ في هذا الإطار أنَّ الراوي ينساق وراء غريزة التسابق ويراهنُ على "تيدي" الحصان الأقل حظاً بالفوز حتى يتخلص من الأموال ويتفاجأُ الراوي من جديد بأن حصانه على غير المتوقع يفوز. إذن مكسبه يزداد، لكن الشعور المُلتبس ما انفك ينهشه وهو ابن الطبقة الراقية ضابط الاحتياط لا يجوز له الاستيلاء على مال غيره، واصفاً نفسه بـ "اللص" فيما يرفضُ الراوي تجاهل الموقف الذي يسميه بالمخجل، فإنَّ ما يسكنهُ في العمق هو الشعور بالفخر والسعادة، ومرد ذلك إدراكه بأنَّ مشاعره لم تمت بل مدفونة تحت رمال من اللامبالاة فإذا به تنتفضُ بعد تجربة السباق.
قوة الفرح
يتكسرُ الحاجز بين الراوي وحقيقة الحياة بتفاصيلها المختلفة، وما كان ينقصهُ سابقاً هو المرونة في التواصل مع الآخرين، وقد مضى في الطريق معايناً مظاهر الناس ساعياً لتجسير الهوة بينه وبين العالم وما يؤرقه أكثر هو الشعور بالوحدة لذا يحاول التخلص من هذه الحالة بإغداق المال لطفلٍ يشاهدُ الألعاب في الملاهي تارة وبمصاحبة غانية تارة أخرى، وهو يمضي في هذا الدرب يضج رأسه بالذكريات وتجاربه الأولى مع المرأة.
ومن ثمَّ يتخذُ الراوي موقع المحلل النفسي موضحاً السبب وراء الهروب نحو الغانيات، فبرأيه أن الوحدة وما يصاحبها من الملل تدفعُ بالمرء إلى اقتناص الحميمية في وكر الملذات. 
يستعيدُ الراوي لحظة ملاحقته الخجولة لامرأة في بورصة اللذة واصفاً مشاعره المتوترة مشيراً إلى معاناة هؤلاء النسوة وقساوة ظروفهنَّ. بالطبع لا ينتهي الأمر بهذا الموقف بل ينحو السرد منحى بوليسياً عندما يكتشفُ الراوي بأنَّ تلك المرأة كانت فخاً لابتزازه مالياً إذ يحاصره رجلان وتنضم إليهما المرأة والغريب في المشهد المتشبع بالإثارة والترقب هو تمتع الراوي من الشعور بالخطر واستسلامه لغريزة غامضة تحدو به نحو مبارزة غير متكافئة، علماً بأنه كان يمكنه الهروب ويقطعُ المسافة التي تفصله عن الشارع الرئيسي. أخيرا يعطي مئتي كرونة لرجلين هنا يتبدلُ الموقف تماما تعترفُ المرأة بأنَّ زبونها لم يلمسها مبدية تعاطفها. يتدخلُ الراوي من جديد معلقاً على كلمات المرأة التي أبانت عن طيبة كامنة في الشر ورغبة مبهمة لتحقيق العدالة.
أكثر من ذلك أن الشعور الإيجابي الذي غمر الراوي قد زاده اقتناعا بأنَّ مصدر السعادة يكمنُ في العطاء، لذا يبسطُ يده كل البسط، ويتحررُ من القشرة التي قد حالت بينه وبين الحياة على سعتها ومذاق دفئها. والجملة الاخير هي بمثابة روح العمل يقولُ الراوي "ما أن يفهم أي شخص ذلك الإنسان فيه حتي يفهم جميع البشر" إذن لا بد أن الأولوية للبحث عن ذلك المجهول.