البرلمان المصري الجديد على صفيح ساخن
القاهرة - انتهت أطول انتخابات لمجلس النواب في مصر، السبت، بعد شد وجذب طويلين حول وجود مخالفات وتشوهات سياسية. وينتظر المواطنون قيام الرئيس عبدالفتاح السيسي بتعيين 28 عضوا قريبا، بما يوازي 5 في المئة من أعضاء الغرفة الأولى للبرلمان المصري، الذي يبلغ العدد الإجمالي فيه 568 عضوا.
ويعول مراقبون على هذه النسبة (الـ5 في المئة) في سد بعض الثغرات الناجمة عن التشكيلة الجديدة التي أفرزتها انتخابات جرت خلال الفترة من 10 نوفمبر/تشرين الأول الماضي إلى 10 يناير/كانون الثاني الجاري، وسيتم اختيار عدد من الخبراء وممثلين للمرأة ومسيحيين كي يبدو البرلمان منسجما مع الدستور الذي يشترط وجود تمثيل عادل لبعض الفئات.
وطويت صحفة انتخابات مجلس النواب بعد نقاشات بشأن جدواها، وما أثير حولها من غبار سياسي بشأن آليات مشاركة بعض الأحزاب ونسب كل منها، وما شابها من تجاوزات أثناء العملية الانتخابات، التي لعب فيها المال السياسي دورا مهما، مع تزايد عدد المنضمين للبرلمان من طبقة رجال الأعمال، بما أدى إلى تشاؤم في جدواها، فعندما يسيطر المال تتراجع السياسة وترضخ أجندة البرلمان لاعتبارات اقتصادية.
وحاولت الهيئة العليا للانتخابات أن تكون مخرجات العملية الانتخابية جيدة، وتتحاشى الأخطاء التقليدية فيها، واستجابت لتحفظات رئيس الدولة على ما أفرزته نتيجة الجولة الأولى من عيوب فاضحة، وألغت إداريا الانتخابات في عشرات الدوائر، ونفذت أحكام القضاء التي أبطلت الانتخابات في دوائر أخرى، من أجل اضفاء مصداقية على عملية فقدت الكثير من بريقها قبل إجرائها.
وتعرضت انتخابات مجلس النواب إلى شكوك عديدة بسبب الطريقة التي تم بها اختيار المرشحين، ووجود تحالفات مشبوهة بين أحزاب سياسية افتقدت الكثير من الحضور الشعبي في الشارع المصري، وقاطعتها بعض أحزاب المعارضة. وجزء من أسباب المقاطعة عاد إلى العمل بنظام القائمة الانتخابية المطلقة المغلقة، التي هيمنت عليها أربعة أحزاب رئيسية هي: مستقبل وطن، الجبهة الوطنية، حماة الوطن، الجمهوري، وافتقدت المنافسة، فلم تتقدم أي قائمة أخرى أمام القائمة الوطنية القريبة من الحكومة.
وتقود الأجواء المشحونة التي أحاطت بانتخابات مجلس النواب إلى وضع الغرفة الأولى للبرلمان فوق صفيح سياسي ساخن، فهناك نظرة سلبية لدى شريحة عريضة من المواطنين، لا تثق في أداء الأعضاء الجدد، وتعتقد أن الجدل الذي صاحب الانتخابات والصخب الذي حظيت به دوائر مختلفة ترشح فيها أشخاص ليسوا بعيدين عن الشبهات الاقتصادية، سوف تنعكس سلبا على الأداء العام.
كما أن محاولة الهيئة العليا للانتخابات خروجها بالحد الأدنى من الخسائر لن يقلل من اللغط الذي صاحب العملية الانتخابية وما رافقها من إجراءات إدارية لم تكن محل ثقة من جانب قطاع كبير من المواطنين، ما يضع على عاتق النواب الجدد حملا ثقيلا، فهناك انطباع بأن ندرة ممثلي المعارضة في البرلمان يمنح مؤيدي الحكومة مساحة واسعة للحركة.
ويقول بعض الخبراء إن ندرة تمثيل المعارضة الحقيقية في البرلمان لن يكون في صالح الحكومة، ويفضي إلى عدم ثقة في التشريعات التي ستخرج من مجلس النواب، وقد يتكرر سيناريو المجلس السابق، الذي كان منبطحا لتوجهات الحكومة في كثير من القرارات، ومستجيبا لجميع طلباتها التشريعية.
ويضيف هؤلاء الخبراء أن مسؤولية البرلمان الجديد السياسية ربما تكون أقل وطأة من البرلمان السابق، حيث أجاز الأول عشرات القوانين المثيرة للجدل، وأبرزها قانون الإجراءات الجنائية، والإيجارات القديمة، وكلاهما يمس وجدان شريحة كبيرة من المواطنين، فالأول ضاعف من مسألة التضييق على الحريات، والثاني فتح الباب أمام فتنة مجتمعية ظلت كامنة ومؤجلة سنوات طويلة، حيث يقود إلى طرد ملايين من المستأجرين لشقق قديمة حصلوا عليها بأسعار زهيدة.
وربما تكون مشكلة البرلمان الجديد خارجية أيضا، فلا تزال الدولة المصرية تواجه المزيد من التحديات على جبهات إستراتيجية عدة، أهمها غزة وليبيا والسودان وإثيوبيا والصومال والبحر الأحمر.
ومطلوب منه تبني رؤى تتناسب مع حجم الصعوبات الظاهرة على كل منها. وفي ظل الارتباك الحاصل في منطقة الشرق الأوسط، وإصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على معالجة الأزمات العالمية بخشونة، يمكن أن تظهر أنواعا جديدة من المشكلات، لم تعهدها مصر في السنوات الماضية.
وتكمن مشكلة مجلس النواب الجديد في تركيبته، والتي تضم عددا كبيرا من حديثي العمل بالسياسة، ما يعني أنه يفتقر للحنكة والحكمة والرشادة عند التطرق لبعض القضايا الخارجية، وقد ترك معالجتها لعدد محدود من النواب، أو يطلق يد الحكومة للامساك بمفاتيح الملفات المركزية، ويجعلها خاضة لحسابات معينة، تخلو من المناقشة الشاملة، وتفتقر لمعالجتها بشكل يراعي جميع التوجهات الوطنية، سواء تلك التي تدور في فلك الحكومة أو تعارضها.
وتشير هذه النوعية من الإشكاليات إلى فقدان البرلمان للحيوية التي اعتاد عليها قبل عشرات السنين، عندما كانت تشكيلته تضم أطيافا سياسية متباينة، يتبارى كل منها في الدفاع عن المصالح الوطنية بإخلاص، من القاعدة التي يراها مجدية، بينما اختفاء ذلك يتسبب في مطبات النظرة الأحادية، ويخدم أهداف الحكومة فقط، وفي غالبيتها تتبنى رؤى اقتصادية ليبرالية، يمكن أن تجلب المزيد من المتاعب لمواطنين يواجهون أزمات اقتصادية مركبة منذ سنوات.
ويمكن أن يصبح تعيين الـ28 نائبا إضافة للبرلمان المقبل، إذا راعت قرارات الرئيس عبدالفتاح السيسي هذه الجزئية السياسية، وكان من بين هؤلاء الأعضاء نواب يمثلون تيارات معارضة لضبط التوازن المفقود في النتيجة التي أدت إليها الانتخابات الأخيرة، ولإيجاد نوع من الثقة في مجلس النواب الجديد، بعد أن فقد قدرا كبيرا منها قبل قيامه بممارسة عمله.
وكشف الرئيس السيسي عن حرص واضح كي يكون البرلمان نزيها وشريفا وممثلا لفئات مختلفة من المواطنين، وليس من مصلحته أن يبقى تحت مقصلة الانتقادات السياسية دوما، التي تؤثر على سمعة النظام الحاكم، وتنثر ألغاما في طريق الحكومة، المتوقع الإعلان عنها قريبا، ويجب أن تنال ثقتها من برلمان غير مشكوك في شرعيته، وتجنب التلميحات التي شبهت البرلمان الجديد بما جرى لنظيره عام 2010.
وتسببت هذه الانتخابات المشبوهة في انفجار بركان من الغضب الشعبي داخل مصر ضد رئيسها الأسبق حسني مبارك وأدت إلى إزاحته، عندما هيمنت عليها طبقة ليبرالية، فرضت كلمتها دون مراعاة لرؤى قوى المعارضة، وضرب النظام عرض الحائط بتحذيراتها من خطورة التمادي من تزوير الانتخابات لصالح فئة معينة.