التشكيلي محمد العامري يطل على العالم بـ'عين ثالثة'

لوحات المعرض تتميز بصباغية استثنائية هي بمثابة قصائد بصرية ترسم متاهة السّفر عبر العين.

عمان - المتتبع لمنجز الشاعر والفنان التشكيلي محمد العامري يتنسم تجربة غنية في تنوعها الإبداعي من شعر وسرد روائي وتشكيل ونقد التشكيل، من خلال هذا التنوع الممزوج بالموسيقى وإيقاع اللون ولغتها البصرية كأن المتلقي يقرأ قصائد لونية بحرفية عالية مشغولة بأمل الروح لتضعنا أمام جدلية اللون ولغته البصرية التي تحفر عميقا في ثنايا الروح والجسد وتعزف موسيقاها وتراتيلها في هذا الكون لتنير ما حولها وتضعهم في دهشة اللون وتجلياته وتشكيلاته اللونية وتقنياته البصرية والذي يتميز في ثنائية الضوء ومساحته والعتمة المشتبكة بفنية عالية على فضاء اللوحة الذي يأخذك إلى مساحة أوسع من التأويل والقراءة في معناها الواقعي والإنساني.

ما سبق ذكره تجلّى في معرضه اللافت "عين ثالثة" والمقام في غاليري المشرق، والذي حظي بحضور لأفت من الفنانين والنقاد والإعلاميين.

يقول الناقد التشكيلي المغربي ابراهيم الحَيْسن في شهادته الموسومة "التفكير بالعين" الفنان الأردني محمد العامري مبرزا تجلياتها ورؤاها في المعرض، ويتساءل الحيسن: إلى أين يريد المبدع محمد العامري أن يرحل بنا عبر تلويناته التي لا تتوقف؟ وما الذي نراه في لوحاته لاسيما الأخيرة منها الموسومة بحرّية الانتشار الخطي واللوني؟ كيف يخلط ألوانه وصبغاته التي تظهر في لوحاته متدفقة وسيّالة على إيقاع آثار ممتدة للجسد ولإيماءاته؟

وبؤكد الحيسن أنه في جغرافيا لوحات هذا المعرض، تتبدّى الرّؤية وينتشر النّظر ويتمدّد عبر امتاع العين وإبهارها بلوحات صباغية استثنائية هي بمثابة قصائد بصرية ترسم متاهة السّفر عبر العين وعبر قوّة اللون وبلاغة التبصيم في امتداداته وتقاطعاته التعبيرية واللونية مع التطبيقات التجريدية التي ميّزت بدايات القرن العشرين كما وقّعها مصوّرون طلائعيون تمثلوا الطبيعة وأعادوا توثيق اليومي وسرد الأحداث والوقائع التاريخية وتأويلها على نحو تجريدي صرف خلخل النّمط التقليدي الذي تبنّاه التصوير التّشبيهي وكرّسه في الفن الأكاديمي لقرون من الزمن. من عمق جمالية هذا الجغرافيا، يضعنا المبدع العامري في حيرة كبيرة لمعرفة الطريقة التي يصوّر ويلوّن بها كائناته التي لا تشبه أحداً.. ولا تختلف عن أحد، بل يجعلنا نتساءل بفضول: متى يعتكف داخل مرسمه لإبداع كلّ هذه الأطياف الملوّنة التي تلاحق وعينا المرئي واللّامرئي؟ ومن أين أتى بهذه المخلوقات الطيفية والتشكلات اللونية المدهشة؟ 

الضوء والموسيقى يعاينا ايقاعات الروح
الضوء والموسيقى يعاينا ايقاعات الروح

 هو هكذا كما يضيف في شهادته، مثل ناسك زاهد يبدع مندمجاً مع خطوطياته وحبرياته وصبغاته وألوانه التي تقول كلّ شيء وتخفي كلّ شيء في آن!! إنه احتفاء العين عبر مرايا الذات التي تنعكس على الداخل لترى الخارج.. وتنفتح على الخارج لتمنح الذات طاقة متجدّدة عنوانها الإبداع الذي صار رهانه الأوّل وأفقه الجمالي الذي ينتصر به على مكر الحياة وتفاهتها. 

ويبيّن لنا الناقد الحيسن أن في عمق لوحات العامري تتفجر الألوان وتتشظى قبل أن تُعيد تركيبة هويتها الجمالية، إذ تُمسي في حالات معيّنة داكنة في هيئة كتل متراكبة، متراصة أحياناً، تحتل مركز العمل الفني، لتتعايش في حالات أخرى مع اختيارات لونية مختلفة شفيفة تحيا داخل مقطعات مساحية عريضة منتشرة تستوعب التخطيطات المبصومة بأسلوب حركي مثل إمضاءات وتواقيع سريعة التنفيذ. وفي طيّات لوحات أخرى تتموقع شرائط ملوَّنة صغيرة بدرجات طيفية متناغمة مع المكوِّنات اللونية المهيمنة Dominantes داخل فضاء اللوحة لتغتني مرَّات بحروفيات ونصوص شعرية تشترك في إنتاج المعنى والمبنى.

  وبين هذه التلاوين الطريَّة، تكمن قوى متحرِّكة (دينامية)، ما يجعل العامري فناناً مسكوناً بخلق الأضداد والتباين (الكونتراست) بين النّماذج المرسومة والمصبوغة انسجاماً مع كلام الفنان هنري ماتيس H. Matisse: "أنا لا أرسم الأشياء.. أنا فقط أرسم الاختلاف بين الأشياء".. هكذا، وبمعنى ما، تخاطبنا هذه التكوينات اللونية وتحفّزنا لكي ننصت إليها بأعيننا ولنراها بذاكرتنا البصرية المشتركة لأنها ملأى بالكثير من الرسائل غير اللفظية التي تتبادل الأدوار والمواقع على السّطح التصويري.

   ويرى أن ألوان العامري مترحلة Nomades مثل أسفاره ورحلاته، لذلك فهي لا تؤمن بالسّكون والاستقرار، تعيش في الضوء كما في العتمة، في السماء وفوق/تحت الماء. إنها كائنات وأجسام طيفية متحرِّرة، تحيا مع الفنان في عزلته واعتكافه قبل أن يحتفي بها الجمهور خارج محراب الإبداع. هي أيضاً أطياف ملوَّنة تتناسل من لوحة لأخرى لتوزِّع علينا معاني الحبّ والأمل والتفاؤل، كما نطقت بذلك مجموعة من لوحاته خصوصاً منها ما جاد بها معرض "حالة حبّ" الذي أقامه قبل سنوات في "غاليري أرجوان" ببيروت.

 بفعل التبقيع والتنقيط Pointillisme  الخاضعة للفكر والجسد على مدى مساحات مهمّة من الإنشائية الإجمالية للوحة..  وكما في أشعاره ومسروداته ونصوصه النقدية الرّصينة، يُبدع الفنان العامري ويفكر بعين ثالثة وبرهافة جمالية واسعة. لكن؟ كيف يصنع كائناته وكيف يمزج ألوانه وحبرياته لتصير تشكلات هوائية مجنَّحة في الأعالي؟ أو سحباً عابرة بكميات لونية مقدَّرة ترسم غياب الأشياء أكثر من حضورها؟ لعل في الأمر سرٌّ ما!!

خطوط اللوحات مشبعة بأبعاد فنية
خطوط اللوحات مشبعة بأبعاد فنية

 وخلص إلى القول، لا شك أن هذا المعرض التشكيلي الفريد، وبالنّظر لقيمته الإبداعية، يفتح حواراً جماليّاً مع المتلقين والزّوار، ممّا يتيح لهم فرصة التفاعل مع الفن الجادّ ويُعزز فهمهم وتقديرهم للإبداع والجمال، ليبقى الثابت أخيرًا أن المعرض تأكيد وإقرار بالمقام الإبداعي المتفرّد الذي يتميّز به محمد العامري فناناً خلاّقاً وإنساناً ودوداً يفيض بالعديد من معاني السّخاء والبذل والعطاء اللّامحدود..

الفنان والشاعر محمد العامري يقول في شهادته الإبداعية حول معرضه وتجربته والتي أسماها "ابتعدي ايتها العين كي يرانا القلب".. لم يعد الرسم والتلوين مساحة لبناء مساحات وهوامش للعلامات، بل هو توحد بين الفكرة والفعل، فعل الرؤيا التي تلاحقني في لحظات الرسم واقتراح حركات ومسارات تقوم مقام الروح الصافية، روح الصوفي الذي استغنى عن الطين وذهب إلى الضوء البعيد، الضوء النقي الذي يشبه خلق الكون، هي قسوة اللذة وتيهٌ لاكتشاف عوالم تصدمني في لحظة الفعل الخلاّق، كما لو انها النقطة الغائبة التي تحضر فجأة أمامي وتقودني إلى لذة تأخذني معها والسير خلفها في دهاليز وطرق وعرة، طرق فيها تحدي العارف لروحه، الروح المتمردة على الطين، روح أقرب إلى فراشة من النور، فردوس شعيع وعماء من نوع آخر، عماء الأرض وانكشافات المختبئ تحت قشرة اللون وتجلياته التي لا نهاية له.

ويرى العامري المطر الخفيف، وخفة الأشياء تستهويه لارتكابها والتقاطها على حين غِرة، أقبض على تلك اللحظة الكونية كي لا تهرب مني، أحتاج أصابع خفيفة، أصابع من النور وقوة في رشاقة الفعل، تنعشني تلك النقاط المثورة على سطح اللون، كما لو انها المطر الناعم بعد ظمأ بعيد.. لا حاجز بيني وبين اللون، أنا تلك الألوان، أكشط عنها غبار المأساة وأعيدها باسمة ومتفتحة مثل وردة في حديقة البيت.. كل شيء في جواري أرصده، أختبره بعين ثالثة لا تخون، فالظل مجموعة مما تبقى من ليل فائت، الظل اختباء الأشياء في زاوية القلب، نافذة على الماضي والحاضر معا، قدرة على البوح عن أمكنة تسكن فينا، وروائح هجينة تضرب الشّم، كما مائدة عريضة من الضوء والذكريات، حكايات لا يمكن كتابتها، سوى انها خطوط نحسّها ونراها لكنها لا تكتب، تبقى فينا، تعيش في دواخلنا تماما كالمرآة الصباحية.

وبمضي الضوء والموسيقى معاينا ايقاعات الروح وجدلية الضوء التي تمتزج مع موسيقى اللون يشير قائلا: لا يمكن بالنسبة لي الخروج عن الإيقاع اللوني الذي ينتظم ضمن "الأوكتاف السباعي" والذي يمثلني كفنان من الشرق، فالضوء أو النور الطبيعي هاجسي في سياق حالة تنتظم في شعرية اللون وتبدلاته الإيقاعية من مساحة إلى أخرى.

فبداهة التواصل والانغماس بالموسيقى هو الذي قادني إلى التواصل الفيزيائي مع النور وتحولاته المرئية وغير المرئية، إلى جانب الأداء النوعي في العمل الفني والذي يعتمد في أساسه التنزيه الفكري والبصري، والذي يفتح أمامي بوابات الإلهام من الواقع المرئي إلى واقع آخر متخيّل يتكيء على المعيش بصريا وذاكراتيا وذلك في فلك السيميولوجيا وما تنتجه من دلالات وعلامات تدّلنا على طرائق اللذة في الإيقاع اللوني وتحولاته.

ويختم شهادته المفعمة بروح وتجليات الشعر الذي يتسرب إلى خطوط اللوحات المشبعة بأبعاد فنية مبهرة في تفاصيلها الفرحة والمحزنة في أن واحد.. يقول العامري: فهذه التجربة هي سيرتي البصرية والفكرية والثقافية، لا تنفصل عن نظرتي للعالم، بل تقودني إلى معرفة الذات والعالم.. كل نقطة تتحول على شاخصة تدلنا على شيء ما، تتابع النقاط طريق أخرى لفخ بصري في مساحة اللوحة، حيث تتحرك النقاط كدليل على جغرافيا ربما تكون في منطقة الغياب، لكن النقطة تنبيه لذلك الغائب، تنبيه للمحو والتطريس.

كل ما أفعله هو محاولات لفهم الذات في مرآة اللون والخطوط والنقاط وملامس أديم اللوحة، ذاتي هناك، أنا تحت جلد اللون، اطل على العالم بعيني الثالثة.