التصوير كطقس تأملي: لماذا نلتقط الصور؟
في عالم يتسارع فيه كل شيء وتتشظى فيه اللحظات، يصبح التصوير ملاذنا الآمن لتوثيق تلك اللحظات المتسارعة، ويأخذ مسارًا سلوكيًا هو أشبه بطقس روحي ووجودي لنشعر من خلال ممارسته أننا نقوم بممارسة تأملية نستكشف من خلالها لذة البقاء في عالم متغير وغير مستقر. من خلال التصوير نحن نقوم بفعل تأملي لمقاومة النسيان وإعادة تشكيل علاقة الإنسان بعالمه الخارجي.
كان ولا زال يطاردني السؤال التالي: لماذا نصور؟ هل لإرضاء فضولنا اتجاه معرفة الأشياء بأبعاد وأشكال محددة بإطار من صنع رؤيتنا؟! أم نحن نصور لحاجة يومية أوجدها تطور الحياة وتشعباتها؟ فإن كان الجواب كذلك، لماذا لا يصور الجميع بنفس المقدار الذي يصور فيه من يصبح فعل التصوير لديه هو أشبه بعادة يومية لا تفارقه، ويصبح أشبه بتأمل يربط ذات المصور بالمكان في لحظة زمنية معينة؟
التصوير في أبسط تعريف له هو ممارسة هواية محببة للإنسان تجعله يشعر بمتعة الخلق الفني وإن كان لا يدرك ذلك. ولكن في الدراسات النفسية والفلسفية فإن التصوير وباقي الفنون كالرسم والموسيقى والغناء هو خلق حالة انسجام نفسي يعيشها الإنسان في لحظة زمنية قصيرة جدًا يعبر فيها عن ذائقته وحبه للأشياء وما تعني له. ففي المدن يأتي التصوير ليعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمكان، فعدسة المصور لا تكتفي بالتوثيق، بل تستنطق الأشياء وتمنحها لغة، وتكشف عن طبقات من المعنى كانت منزوية عن الرؤية بسبب سلطة الروتين اليومي للحياة. فالتصوير يمنح للفراغ معنى بصري.
التصوير كفعل جمالي هو إعادة خلق جماليات لا يدركها الإنسان الذي اعتاد رؤية كل الأشياء بمنظور واحد دون تأمل في التداخل الشكلي للأشياء، أو ما تفعله مسارات الضوء وانكساراته ومساقط الظل، حيث يظهر بعض المصورين جمالية ما تفعله هذه العناصر حين تسقط في الفراغ السلبي أو الهامشي الموجود على الجدران والبيوت والبنايات والممرات والأزقة الضيقة. حيث نرى كيف تظهر الصور التداخلات غير المقصودة بين الضوء والظل، أو بين عناصر حضرية خلقت لحظة ترتيب بصري عابر، كانعكاس الظلال على زجاج النوافذ وانكسار الضوء على الأبواب والجدران التي تحتوي على زوايا متعددة.
والفعل الجمالي في التصوير يلتقي مع الفعل الإنساني، حيث تصنع الصورة البسمة والفرحة حين يحصل الإنسان بمختلف الأعمار والأجناس على اهتمام المصور ويرى نفسه بشكل مختلف عما اعتاد عليه من شكل ومظهر في حياته اليومية، أو ربما بسبب انشغالاته الحياتية اليومية، فالإنسان لا يجد فرصة أن يرى في المرآة نفسه! لذلك يمنحنا التصوير العودة إلى الاهتمام بأشكالنا واكتشاف زوايا وجماليات كانت غائبة عنا، ويمنحنا الثقة حين نكتشف أن لنا أكثر من زاوية جمالية نستطيع أن نرى فيها وجوهنا وأجسادنا.
التصوير كفعل تأملي يأخذنا إلى مسار آخر حين نقوم بالنظر إلى الأشكال والأجسام والأشياء المحيطة بنا بشكل مختلف، وهو عبارة عن مواجهة الذات، لأن ما نصوره يكشف عن ذواتنا وميولنا، فهو نافذة بقدر ما نكتشف منها العالم الخارجي يعبر بنفس الوقت عن اكتشاف ذواتنا. فالتصوير يصبح هنا مرآة تعكس ما نشعر به من خلال اهتمامنا ونظرتنا لذلك الشيء الذي هو عبارة عن مشهد ما أو جسد ما.
البعد التأملي للتصوير هو طقس روحي ووجودي، ففي لحظة التصوير يتجمد الزمن لدى المصور ليتأمل الضوء الساقط على الأشكال والأجسام وما يخلق من ظلال في الفراغ المحيط بهذه الأجسام. إنها لحظة أشبه بطقس أو تجلٍ روحي عميق تنصت فيه حواس المصور لتكتشف أسرار تلك اللحظة الجمالية التي تحيط بالأشياء والأجسام. إنها حالة لا توصف بالتوثيق كما يحدث في التغطيات الإخبارية أو تغطية بعض الأحداث، وإنما هي الإحاطة بلحظات جمالية يتم من خلالها استنطاق الأشياء ومنحها لغة خاصة بها. فالحواس التي يستخدمها المصور هي من تخلق هذا الشعور الخاص الذي سينتقل بعد ذلك إلى المتلقي حين يشاهد هذه الصور، فيشعر المتلقي بنفس الإحساس الذي شعر به المصور تلك اللحظة التي أنصت فيها إلى حواسه ليرسم لنا بالضوء ما يشكل هذه الأجسام بشكل جمالي حين ينساب الضوء ويخلق من خلال مساراته وانكساراته تنوعات ضوئية ودرجات ظلية تعطي الوجوه والأجسام والأشكال أبعادًا جمالية لم يكن يتوقف عندها المتلقي العادي كثيرًا.
حين يتسلل الضوء إلى الهامش يصبح الصمت لغة، والظل ذاكرة، والفراغ يأخذ معنى لم يُكتب من قبل. هذا ما يفعله التأمل في جوهر الأشياء، إنه يمنحها لغة جديدة ومعنى بصريًا يجعل رؤيتنا للأشياء مختلفة. في عالم متسارع ومضطرب أحيانًا، ويعج بالحروب وانهيار للأسواق والبورصات، يصبح التصوير عند من يمتلك رؤية تأملية خلقًا جديدًا أشبه بابتكار لحياة جانبية أو موازية لحياتنا، نحتاج أن نعيشها ونشعر بجمالياتها وتمنحنا شيئًا من الاطمئنان والتأمل الروحي.
في المدن، الهامش هو ذاكرة المكان، وهو ليس خارجًا عن المعنى، بل هو المساحة التي يتنفس فيها المعنى دون أن يُفرض علينا.

