التطرف يشق طريقه في السويد المتسامحة

في ظل ما يعتبرونه ضغوطا اقتصادية وثقافية يفرضها الاجانب على المجتمع السويدي، المتشددون يعلو صوتهم في الشارع بعد ان حققوا الحضور اللافت في البرلمان.


المهاجرون يشكلون ربع السكان في السويد التي تعد 10 ملايين نسمة


السويد تتمتع بأقل نسبة جرائم في اوروبا


قوى اليسار ويمين الوسط تتراجع رغم احتفاظها بالصدارة

مالمو (السويد) – ثارت مؤخرا في السويد تساؤلات عن المستوى غير المسبوق الذي وصلت إليه مشاعر الكراهية والتطرف وذلك في اعقاب منع السياسي الدنماركي إسموس بالودان، زعيم حزب النهج المتشدد اليميني المتطرف من دخول السويد لحضور تظاهرة في مدينة مالمو، دعا قبلها إلى حرق نسخة من القرآن الكريم في بلاد لطالما عرفت بالتسامح والتعايش المشترك.
ولم تقف الحادثة عند حظر دخول السياسي الدنماركي بل تطورت إلى صدامات عنيفة بين الجالية المسلمة وأنصار اليمين المتطرف وبلغت حتى إصدار منظمة التعاون الإسلامي وعدد من الدول الإسلامية بيانات تنديد بما وقع في مدينة مالمو التي يبلغ عدد سكانها الأجانب 40 في المئة.
وصرح بالودان المحظور من الدخول إلى السويد لمدة عامين عبر وسائل التواصل الاجتماعي الخميس أنه تقدم بطلب للحصول على الجنسية السويدية من خلال سفارتها في كوبنهاغن، مشيرا الى أنه يتمتع بحق الحصول على الجنسية لأن والده من أصل سويدي.
وأشار الى أنه طلب من الشرطة الحصول على أذن لحرق القرآن في 12 سبتمبر/أيلول الحالي في ستوكهولم عاصمة السويد، مضيفا أنه في حال حصوله على الأذن فسوف يحرق القرآن في منطقة رينكبي حيث يتركز المهاجرون والمسلمون.
وذكر انه في حال لم تتم الموافقة على منحه الجنسية السويدية خلال هذه الفترة فسيذهب أصدقاؤه إلى ستوكهولم ويحرقون القرآن.
ويوم الجمعة الماضي أقدم ثلاثة ناشطين في حزب النهج المتشدد على إحراق نسخة من القرآن في مدينة مالمو.

فوز حزب ديمقراطيي السويد بالانتخابات يعني ان العنصرية باتت أكثر قبولا في المجتمع السويدي

وقام أعضاء الحزب الدنماركي المتطرف بإحراق القرآن في منطقة "روزنغورد" بمالمو وبث عملية الحرق على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتبنت السويد عام 2017 استراتيجية محلية لمكافحة الراديكالية والتطرف تصديا للحركات اليمينية المتطرفة، بناء على افتراض أن التطرف يُسهّل ويؤدي في الكثير من الأحيان، إلى أعمال عنف ذات دوافع سياسية.
أما الراديكالية، فيفترض أنها تنتج عن التفرقة الاجتماعية وعدم الاندماج والممارسات التمييزية أو العنصرية التي يمارسها السكان الأصليون، وقد تجتمع هذه العوامل في أشكال مختلفة، بحيث تتضافر وتغذّي بعضها الآخر، مسببة أزمة وجودية.
وتعتمد استراتيجية السويد لمنع التطرف العنيف بشكل كبير على تجربة الدولة وخبرتها في منع الجرائم العنيفة (أقل نسبة في جرائم القتل بأوروبا)، وإن كانت الحكومة تتعامل رسميّا مع حالات الجريمة والتطرف العنيف، بشكل منفصل.
ورغم المجهودات الحكومية الكبيرة لامتصاص تفاقم مشاعر الكراهية والتطرف حفاظا على السلم الاجتماعي، والتي ميزت السويد عن باقي جيرانها الأوروبيين، تتجه الأمور عكس التيار، ما يطرح تساؤلات بشأن من يدفع باتجاه ذلك وما هي الأطراف المستفيدة ولأية أغراض؟
مثل صعود حزب "ديمقراطيي السويد" اليميني المتطرف وحصوله على 18 في المئة من الأصوات في انتخابات 2018، زلزالا قويا يُلحق السويد بقائمة طويلة من الدول الأوروبية، التي صعد فيها اليمين المتطرف، من المجر وبولندا وإيطاليا والتشيك، مرورا بالنمسا وألمانيا، وصولا إلى الدنمارك وهولاندا.
ويصف عدد من المحللين السياسيين في السويد فوز هذا الحزب بهذه النسبة بأنه "يجعل العنصرية أكثر قبولا في المجتمع السويدي"، إذ أصبح لمشاعر الكراهية والعداء حزب سياسي يغذيهما ويرعاهما بل ويدافع عنهما.
وتراجعت قوى اليسار ويمين الوسط كما كان متوقعا رغم احتفاظها بالصدارة وحصول كل منها على أكثر من 40 في المئة من الأصوات، فيما خسر ائتلاف اليسار والاشتراكي الديمقراطي 15 مقعدا بينما خسر ائتلاف يمين الوسط 14 مقعدا.
وكان هذا الصعود بمثابة صدمة لبعض المراقبين، فيما اعتبره البعض صعودا محدودا لا ينبغي المبالغة فيه لأن الحزب لم يشارك في حكم البلاد.
لكن وجه الخطورة في ما جرى لا يتعلق بمن سيحكم بقدر ما يتعلق بالتحول الجوهري الذي طرأ على الخطاب السياسي بل وطبيعة العملية السياسية التي تنعكس بالضرورة على الأرضية الاجتماعية.

مالمو، بشكلها العنيف الغريب
مالمو، بشكلها العنيف الغريب

وساهم تسارع معدلات الهجرة في السنوات الأخيرة تزامنا مع الضغط الذي شكله حزب ديمقراطيي السويد من داخل البرلمان وخارجه في تحول جوهري بالخطاب السياسي للأحزاب الكبرى. فقد صارت هي الأخرى تتبنى تقييد الهجرة بعد أن كان ذلك الموقف مقتصرا على حزب السويد الديمقراطي، الأمر الذي أدى إلى جرّ قلب الوسط السياسي نحو العداء للهجرة بعد أن ظل طويلا في أقصى اليمين.
واضطرت الأحزاب الكبرى ذات الخلفية الاشتراكية الاجتماعية إلى تغيير بعض سياساتها التي توصف بالمتسامحة تجاه المهاجرين، مثل تشديد قيود الهجرة ومتطلبات الاندماج وحتى التمتع بالتغطية الصحية للأجانب، لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية، ما ضيّق الخناق على الأجانب وعزز الشعور بالإقصاء والتهميش.
وقال الأكاديمي السويدي، ماتياس غاردل، في تصريحات للتلفزيون السويدي الرسمي إن العنصرية ضد المسلمين في بلاده، باتت أمرا اعتياديا بشكل يبعث على الدهشة..
ولفت غاردل، أستاذ تاريخ الأديان في جامعة أوبسالا، إن الاعتداءات التي تتسم بطابع عنصري ضد المسلمين، شهدت ارتفاعا كبيرا. وأضاف "هناك هجمة عنصرية جديدة على المسلمين، نسمي هذا بالإسلاموفوبيا".
وأظهرت آخر إحصائية صدرت في 2018، أن عدد الأشخاص المنحدرين من أصول مهاجرة في السويد، بلغ مليونين و400 ألف شخص.

اعتقاد يبدو راسخا لدى السكان الأصليين بأن الأجانب يقفون وراء تقويض استقرار بلادهم بعد أن كانوا ينعمون بالسلم الاجتماعي

وبحسب الإحصائية التي أجرتها مؤسسة الإحصاء الحكومية في السويد، فإن نسبة المهاجرين يشكلون 24 في المئة من تعداد سكان السويد الذي يبلغ حوالي 10 ملايين شخص.
شهدت السويد العام الماضي ارتفاعا مطّردا في الجرائم ذات الأبعاد الجنائية حيث نشرت شبكة بى.بى.سي البريطانية تقريرا يوضح أن الشرطة السويدية تعاملت مع عدد غير مسبوق من التفجيرات، وقد تمّ استدعاء الفرق المختصّة بالتفجيرات للتعامل مع 97 تفجيرا في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام.
وقالت ليندا شتراف، رئيسة قسم الاستخبارات في دائرة العمليات القومية في السويد إن معظم التفجيرات استخدمت فيها قنابل صوتية أو قنابل يدوية وأخرى محليّة الصنع، مؤكدة أن الهجمات غالبا ما تقف وراءها عصابات، وتتم بغرض ترهيب عصابات منافسة، أو لإخافة المقرّبين من هذه العصابات أو أفراد عائلاتهم.
وأكدت شتراف أن التفجيرات ازدادت بسبب زيادة عدد المهاجرين في السويد، حيث نشأوا ضمن مجموعات في أماكن مهمّشة على المستوى الاجتماعى–الاقتصادي، والعديد منهم قد ينتمون إلى الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين، حيث استقبلت السويد عددا كبيرا من اللاجئين خلال عام 2015 وكان نصيبها الأكبر مقارنة بدول أوروبا.
وتعرضت مدينة مالمو، ثالث أكبر مدينة سويدية، لسلسلة من الانفجارات وحوادث إطلاق النار خلال السنوات القليلة الماضية ارتبط معظمها بالعصابات.
ولا تحتفظ السويد بإحصائيات حول أصل المشتبه بهم جنائيا، غير أن تقارير غير رسمية تحدّثت أنه في العام 2017 كان من بين 100 شخص على صلة بجرائم القتل ومحاولات القتل التي نفذت بالبنادق والمسدسات، كان من بين أولئك 90 شخصا لديهم أصول أجنبية؛ إمّا أنهم ولدوا خارج البلاد، وإمّا أن أحد الأبوين وُلد خارج البلاد.
وتعاني ضواحي المدن الكبرى في السويد والتي معظم سكانها من المهاجرين من تدهور الوضع الأمني وازدياد في نشاط عصابات الجريمة المنظمة، ما يثير قلق السكان والمنظمات الحكومية والأهلية على حدّ السواء.
ولم يعد سرا أن العديد من أبناء المهاجرين وخاصة من الأسر العربية، منخرطون بشكل كبير في العمل الإجرامي، ما أجج مشاعر الكراهية ضد المهاجرين بصفة عامة وأسس لاعتقاد يبدو راسخا لدى السكان الأصليين بأن الأجانب يقفون وراء تقويض استقرار مجتمعهم بعد أن كانوا ينعمون بالسلم الاجتماعي قبل وصول آلاف الأجانب إلى بلدهم.
وإضافة إلى انخراط المهاجرين في الجريمة المنظمة، تنامت مشاعر الكراهية لدى السويديين لأسباب معيشية بحتة أيضا، فاستئثار الأجانب بالمساعدات الاجتماعية وتدهور الخدمات الصحية من دون أن يشاركوا في تعبئة الموارد المالية المخصصة لها، من الأسباب أيضا وإن لم يكونا من أهمها.
ويرى باحثون أن تزايد نسبة الجرائم المنظمة بين أبناء المهاجرين ستكون له انعكاسات أخطر على السلم الاجتماعي مستقبلا ما لم تبذل الجهود على جميع المستويات. فالمؤشرات تنذر بمخاطر جدية على مجتمع كان متماسكا ومتسامحا قبل فتح أبوابه على مصراعيها للمهاجرين.