التعددية الدينية ورقة إخوان ليبيا لانتزاع مكاسب سياسية

جماعة الإخوان المسلمين بليبيا تستثمر في الصحوة الإباضية لضرب التيار السلفي مستغلة مسائل عقائدية خلافية بين السلفيين والإباضيين، فيما تحاول عبر ذلك مهاجمة السلطات في الشرق الليبي.


تغلغل السلفية المتشددة يدفع الإباضيين لإنشاء مجلس أعلى يدعو للوحدة والإصلاح


تمجيد مكشوف من قبل الإخوان للإباضيين في ليبيا لتحسين شعبيتهم المتآكلة

طرابلس - استثمرت جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا مؤخرا، الإعلان عن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية من قبل عمداء بلديات المجتمع الأمازيغي غربي البلاد، معلنة تصريحات تزعم مساندة التعددية الدينة لتلميع صورتها وتحقيق مكاسب سياسية بضرب التيار السلفي المتشدد، مستغلة مسائل عقائدية خلافية بين السلفيين والإباضيين، فيما تحاول عبر ذلك مهاجمة السلطات في الشرق الليبي.

وأكدت بلديات المكون الأمازيغي أن هذا المجلس المنبثق عن مخرجات مؤتمر عُقد بمدينة نالوت الواقعة جنوب غرب طرابلس بمشاركة أعيان بلديات نالوت وكاباو والحرابة والرحيبات وجادو والقلعة ويفرن وزوارة ووازن، سيكون الممثل الرسمي للإباضية في المحافل المحلية والدولية، داعية إلى الحفاظ على الثوابت الدينية والموروث العلمي والوقفي للمذهب الإباضي في البلاد.

فتاوي السلفية بتحريم الإباضية يعتبر تحريضا على الإبادة الجماعية

وقال هؤلاء إن المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا سيتخصص في إدارة الشؤون السياسية والاجتماعية والفقهية من خلال أجنحة عدة تعمل على إيصال الصوت الإباضي بما يمثله من عناصر تمايز مذهبي إلى جانب التمايز العرقي للأمازيغ.

ووفق تقديرات نشرها المؤتمر الليبي للأمازيغية في غياب إحصائيات رسمية مؤكدة، يتراوح عدد المسلمين الإباضيين في البلاد بين 300 ألف و400 ألف. غير أن الثابت هو أن أغلب أمازيغ ليبيا ينتمون إلى هذا المذهب الإباضي الشائع بين نظرائهم في المنطقة المغاربية، بينما يؤكد الباحثون أن كل إباضي في المنطقة أمازيغي ولكن ليس كل أمازيغي إباضيا.

ألا يمكن أن يؤسس المجلس الأعلى للإباضيين بليبيا للتعايش السلمي بين الأديان؟
ألا يمكن أن يؤسس المجلس الأعلى للإباضيين بليبيا للتعايش السلمي بين الأديان؟

وحدة وطنية وتسامح

تُشير الأرقام إلى وجود حوالي سبعة ملايين مسلم من أتباع المذهب الإباضي المنتشر بصفة خاصة في سلطنة عمان التي يمثل الإباضيون ما يقارب 70 بالمئة من مواطنيها، كما تنتشر الإباضية في جبل نفوسة وزوارة في ليبيا ووادي مزاب في الجزائر وجزيرة جربة في تونس وبعض المناطق في شمال أفريقيا وجزيرة زنجبار في تنزانيا.

وأكد عمداء البلديات الأمازيغية في غرب ليبيا على "الوحدة الوطنية والتسامح" بين الليبيين، مشددين على أن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية يأتي من أجل الإصلاح بين الناس.

كما أعلن ممثل مؤسسات المجتمع المدني بجبل نفوسة وزوارة وطرابلس أيوب كعبر، عن مساندته التامة لتأسيس المجلس الأعلى للإباضية، معربا عن أسفه لما وصفه بتغول التيار المدخلي بالمنطقة الغربية، في إشارة إلى التيار السلفي الذي ينسب إلى رجل الدين السعودي ربيع بن هادي المدخلي (ولد سنة 1932). ويطلق عليه كذلك اسم "الجامية" نسبة إلى محمد أمان الجامي (1931 – 1996) الإثيوبي الأصل، وهو شيخ ربيع المدخلي.

وقالت صفحة 'الإباضية في ليبيا' إن السبب في تأسيس المجلس "يعود إلى فرقة أيديولوجية تُسمى الفرقة المدخلية تتلقى أوامرها من الخارج، تُسيطر على هيئة الأوقاف في ليبيا، وتسعى للاستحواذ على مساجد الإباضيين والاستيلاء على الأوقاف الخاصة بهم، مع إطلاق التكفير والتبديع وإثارة الفتن بين أبناء الشعب الليبي، فَهَبَّ شيوخ وأعيان الإباضية لإنشاء المجلس حتى يكون الهيئة الرسمية التى تتكلم باسمها."

وأضافت "طبعا نقلت هذا اللقاء كثير من الصفحات والقنوات التلفزيونية، وشاهدنا الحملة الشرسة في مواقع التواصل الاجتماعي ضد المذهب الإباضي، وإن هذا لمن أكبر نِعَمِ الله على هذا المذهب أن قيّد له أعداء جهلاء، يحاولون تشويهه فتنتقل المحنة إلى مِنحة وبدل أن يطمسوه، يُعرّفون به."

واعتبرت الإعلامية ميس الريم القطراني أن "إعلان المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا وسبقه في ذلك المجلس الأعلى للتصوف الإسلامي السني، يعتبر أمرا إيجابيا للوصول إلى تعريف حقيقي للهوية الوطنية الجامعة في بلدنا، فبقدر ما تتجه الهوية باتجاه التوحد، بقدر ما تتجه نحو المزيد من التعدد، فكلما كان سعينا نحو التميز قويا، كان هذا التميز علامة على المزيد من الهويات التي تجمعنا، فالهوية في ذاتها دعوة مستمرة للمزيد من التميز".

وأضافت "وعليه لا معنى لمطلب الهوية بمعزل عن الآخر/ وبالقدر نفسه فالوجود لا يتحقق خارج هذا المطلب، وبهذا المعنى تبدو مقولة التضحية بهوية أي مكون أو جماعة من أجل الوجود ضد منطق الوجود نفسه."

ليبيا تحتاج للتعددية الدينية لترسيخ مبدأ التعايش السلمي
ليبيا تحتاج للتعددية الدينية لترسيخ مبدأ التعايش السلمي

دعم إخواني

وفي المقابل قال النائب بالبرلمان الليبي عزالدين قويرب "بدعم مجالس بلدية تابعة لوزارة الحكم المحلي في حكومة الوفاق شاهدنا تأسيس المجلس الأعلى للإباضية، فهل هو جسم تابع لوزارة الحكم المحلي أو مؤسسة تابعة لوزارة الثقافة والمجتمع المدني أو تابعة للأوقاف والشؤون الدينية أو لدار إفتاء أو منح إذن خاص من سلطات سيادية؟ ما هو ميثاق المجلس وأهدافه؟ نفس الأسئلة تقريبا تنطبق على المجالس الاجتماعية والكونغرس الأمازيغي والكونغرس التباوي وغيرها من الأجسام ذات الطبيعة غير الواضحة"، ورحب إباضيو جزيرة جربة التونسية (500 كلم جنوب شرقي العاصمة) بالحدث.

وقال أحد رموزهم الشيخ ساسي بن يحياتن "نبارك لإخوتنا الإباضيين في ليبيا خاصة وللأخوة الليبيين والأمة الإسلامية عامة هذا المولود الجديد. المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا جاء والأمة في أمسّ الحاجة لتوحيد كلمتها على الحق وبالحق ورص صفوفها ولمّ شملها على مبادئ الأخوة والمحبة والتسامح والاعتدال"، معتبرا أن هذا المجلس "لبنة في صرح الأمة جاء ليوحد ويجمع ويؤلف ويمد جسور التعاون على البر والخير والتقوى، ويكون الناطق باسم الإباضيين في ليبيا بيانا وفتوى والممثل لهم."

إخوان بلسانين مع التعددية الدينية وضدها

إن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا يمثل مكسبا جديدا لمفهوم التعايش السلم، لكن تصريحات الإخوان كانت لافتة، إذ يعرف في منهج الجماعة نبذ التعددية والاختلاف وتمسكهم بالتفرد بـ"الحق" والسلطة.

وما يسترعي الانتباه في الإعلان عن تأسيس مجلس الإباضية في ليبيا، حضور وجوه بارزة من تنظيم الإخوان المسلمين، الذي يرى مراقبون أن دعمه لهذا المجلس ليس عفويا وإنما يأتي في سياق الصراع بين الجماعة والتيار السلفي من جهة، ومواجهة السلطات في شرق البلاد من جهة أخرى.

وأثار حضور شعبان أبوستة ممثلا عن مجلس الدولة الاستشاري (المجلس الأعلى للدولة) الخاضع لسيطرة الإخوان والذي يتزعمه القيادي في حزب العدالة والبناء الذراع السياسية للجماعة، لمؤتمر عمداء بلديات الأمازيغ تساؤلات عن دور الإخوان في تأسيس مجلس الإباضية، خاصة مع إعلان أبوستة عن تأييده القوي لهذه الخطوة. وقال أبوستة الذي ينحدر من نالوت "نبارك تأسيس المجلس الأعلى للإباضية ونؤيده ومستعدون للعمل معا."

ويرى مراقبون أن تأسيس مجلس الإباضية جاء في إطار الصراع المحتدم مع التيار السلفي الذي يعلن معاداته، ليس فقط للإسلام السياسي، وإنما للمذاهب الأخرى كالصوفية والإباضية والشيعية وغيرها.

ومنذ سنوات بات هذا التيار يفرض شكلا جديدا من أشكال التدين على المجتمع الليبي تختلف عن خصوصياته الثقافية المرتبطة أساسا بالمذهب المالكي الذي ينتسب إليه أكثر من 90 بالمئة من الليبيين، بما في ذلك أعداد من الأمازيغ.

ويشير المراقبون إلى أن ليبيا دخلت منذ العام 2011، تاريخ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، مرحلة صراع إرادات جهوية وإقليمية ومذهبية، وعرفت انتشارا واسعا للأفكار الوافدة وخاصة منها السلفية المتشددة، التي دخلت في صراع مع جماعة الإخوان وانضم عدد من أبنائها للجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر ضد ميليشيات الإسلام السياسي.

وشكلت أحد أكبر الألوية وهو لواء طارق بن زياد، كما سيطرت على المؤسسات الدينية والأوقاف بالمنطقة الشرقية، وتغلغلت في الميليشيات الأمنية التابعة لحكومة الوفاق بغرب البلاد، ولم تكتف بذلك بل دخلت في مواجهات علنية مع المكونات المذهبية الأخرى ومنها الإباضية.

وفي يونيو/حزيران من العام 2017، حرضت الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بالحكومة المؤقتة بمدينة البيضاء (شرق) ضد عدد من التيارات الفكرية والدينية والسياسية التي تشكل المجتمع الليبي، مثل مريدي التيار الصوفي والنشطاء بالتيار المدني والكتّاب والمثقفين وغيرهم. كما أصدرت مؤخرا بيانا ضد اليهود في ليبيا حمل عنوان "العلمانيون وتمكينهم اليهود في ليبيا".

الإباضية تجمع القبائل الأمازيغية في ليبيا على مكون يوحد الهوية الدينية
الإباضية تجمع القبائل الأمازيغية في ليبيا على مكون يوحد الهوية الدينية

واعتبرت هيئة، أن الإباضية الليبيين هم "فرقة منحرفة ضالة وهم من الباطنة الخوارج ولديهم عقائد كفرية، كعقيدتهم بأن القرآن مخلوق وعقيدتهم في إنكار الرؤية، فلا يُصلّى خلفهم ولا كرامة"، ما أثار جدلا واسعا في البلاد.

وقالت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان إن "الفتوى التي صدرت عن دار إفتاء حكومة الثني ضد إخوتنا الأمازيغ الإباضيين واعتبرتهم خوارج، تؤكد من جديد أن الذين يصفون أنفسهم بالسلفية هم عبارة عن حركة أو جماعة أو تيار ديني متطرف جهادي تفكيري، يجب مقاومتهم والوقوف ضدهم من الآن قبل أن يتفاقم خطرهم."

والتقطت جماعة الإخوان طرف الخيط لتستفيد منه ليس في مواجهة التيار السلفي فقط، وإنما في تسجيل نقاط ضد سلطات شرق البلاد، حيث أكد ذراعها السياسية، حزب "العدالة والبناء"، أن "فتوى الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بالحكومة المؤقتة تحرض على التكفير والعنف والكراهية ضد مكون أصيل من مكونات الهوية الثقافية الليبية".

 وتابع حزب العدالة والبناء أن "التحريض ضد الإباضيين في ليبيا وتكفيرهم هو اعتداء صارخ وجسيم على وحدة ليبيا ومكوناتها وسلمها الاجتماعي وتسامحها وتنوعها ومستقبل أجيالها"، داعيا "كل الجهات المعنية إلى اتخاذ ما يلزم من إجراءات بالخصوص."

كما حمّل الحزب "المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ووزارة العدل مسؤولية التغاضي عن خطاب التطرف والكراهية، وضرورة إدانته وشجبه وتشكيل لجنة تحقيق لكشف ملابساته ودواعيه والمحرضين عليه وحماية المجتمع منه”، مشيرا إلى أن الفتوى "تدل على النزوع الإرهابي والمتطرف لدى هذا التوجه الديني المستورد من الخارج."

تأسيس المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا يمثل مكسبا جديدا لمفهوم التعايش السلمي في ظل التعدد في بلد بات عليه التخلي نهائيا عن ثقافة الإقصاء

واعتبر المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا أنّ فتوى "تحريم" مذهب “الإباضية تعد تحريضا صريحا على الإبادة الجماعية للأمازيغ في ليبيا، وانتهاكا صارخا للمعاهدات والمواثيق الدولية، وبثّا للفتن بين الليبيين، وتهديدا للسلم الاجتماعي في البلاد".

وفي العام 2018 بادر القيادي الإخواني علي الصلابي بإصدار كتابه "الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج"، وقال عنه "تكررت الأسئلة الكثيرة حول أسباب إصدار هذا الكتاب في هذه المرحلة السياسية والفكرية والأمنية الراهنة في تاريخ المسلمين، ولعل سؤالا آخر يُطرح: لماذا الإباضية؟ وما ماهية ومضامين هذا الكتاب؟."

وأضاف "خلصت في هذا الكتاب إلى عنوانه: الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج. نعم، إن الإباضية بعيدة كل البعد عن مذهب الخوارج الأزارقة والصفرية والنجدية".

ويعتقد المتابعون أن جماعة الإخوان استفادت من تطرف التيار السلفي وتوتر مواقفه الفقهية وإسهاله الإفتائي خاصة ضد المذاهب والمدارس الأخرى، فوضعت نفسها في موقف المدافع عن حرية العقيدة والضمير والتعبير، وأبدت دفاعا عن الإباضية والصوفية في محاولة لتوسيع حضورها الشعبي، وكذلك لتشكيل حزام اجتماعي طالما افتقدته، لخدمة مشروعها السياسي الذي يواجه نكسات عدة.

إلى ذلك ومهما يكن من أمر، فإن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا يمثل مكسبا جديدا لمفهوم التعايش السلمي في ظل التعدد في بلد بات عليه التخلي نهائيا عن ثقافة الإقصاء، والاعتراف بالتنوع الثقافي والحضاري الذي يميز مجتمعه كعنصر إثراء، خصوصا وأن إباضيو ليبيا يمثلون مجموعة عرقية لها امتداداتها في المنطقة، وتحتاج إلى توحيد خطابها ومشروعها الثقافي من داخل المشروع الوطني الواحد، بدل البحث عن مرجعيات من خارج البلاد.