التغييرات الأمنية والشراكة الوطنية

نجاح أي حكومة يتطلب ضخ دماء جديدة وإعادة ترتيب المؤسسات بما ينسجم مع رؤيتها وبرنامجها، لذلك فإن التغيير بحد ذاته لا ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية التقليل من شأن شخصيات غادرت مواقعها، بقدر ما يمثل محاولة لبناء مرحلة جديدة.

لا شك أن التغييرات الجديدة التي أجراها رئيس الوزراء علي الزيدي في المناصب الأمنية تمثل خطوة مهمة في مسار عمل الحكومة، ليس لأن المسؤولين الذين تم إعفاؤهم كانوا غير أكفاء، بل على العكس تماماً، فبينهم شخصيات مرموقة تمتلك خبرة وكفاءة عالية، من بينهم رئيس جهاز الأمن الوطني أبوعلي البصري، ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي الذي نجح خلال السنوات الماضية في إدارة وتفكيك عدد من الملفات الأمنية المعقدة.

لكن نجاح أي حكومة يتطلب في أحيان كثيرة ضخ دماء جديدة وإعادة ترتيب المؤسسات بما ينسجم مع رؤيتها وبرنامجها، لذلك فإن التغيير بحد ذاته لا ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية التقليل من شأن الشخصيات التي غادرت مواقعها، بقدر ما يمثل محاولة لبناء مرحلة جديدة.

المهم في هذه التغييرات ليس فقط استبدال الأسماء، وإنما ضمان أن تحافظ التعيينات الجديدة على مبدأ الشراكة والتوازن الوطني، بعيداً عن احتكار المناصب أو حصرها بمكون معين، فالأجهزة الأمنية والعسكرية هي مؤسسات وطنية يفترض أن يشعر جميع العراقيين بأنها تمثلهم وتحميهم على حد سواء.

وعندما يطالب المكون السني بالحصول على مناصب أمنية، أو يطالب الكرد بتمثيل أكبر في المؤسسات العسكرية والأمنية، فإن ذلك لا يجب أن يُفهم على أنه دعوة لتقسيم المناصب على أساس طائفي أو قومي، بل هو انعكاس لرغبة هذه المكونات في المشاركة وتحمل المسؤولية والشعور بأنها شريك حقيقي في إدارة الدولة.

فالثقة بين المكونات لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمشاركة الفعلية في المؤسسات السيادية والأمنية، وعندما تُحصر المواقع الأمنية الحساسة بمكون واحد، فإن ذلك يخلق شعوراً لدى المكونات الأخرى بأنها غير ممثلة في مؤسسات يفترض أن تكون لجميع العراقيين.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة النظر في التعيينات الجديدة ينبغي أن تراعي تمثيل مختلف المكونات العراقية، مع الالتزام الكامل بمعيار الكفاءة والخبرة، فالساحة العراقية تزخر بضباط وقادة أكفاء من مختلف الانتماءات، يمتلكون خبرات واسعة وحساً أمنياً وعسكرياً عالياً، ولديهم القدرة على إدارة أهم الأجهزة والمؤسسات الأمنية.

كما أن مطالبة المكون السني بتولي إدارة جهاز المخابرات ليست أمراً مستحيلاً ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها سبة أو مطلباً خارج السياق الوطني، بل يمكن أن تشكل خطوة مهمة لتعزيز الثقة والشعور بالشراكة في إدارة الملف الأمني، خصوصاً مع وجود شخصيات تمتلك خبرات متراكمة وعلاقات واسعة وقدرات مهنية تؤهلها لتحمل هذه المسؤولية.

إن نجاح التغييرات الأمنية لن يُقاس فقط بالأسماء الجديدة التي ستتولى المناصب، وإنما بمدى قدرتها على ترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية وتعزيز ثقة جميع العراقيين بمؤسساتهم الأمنية، لتبقى هذه المؤسسات معبرة عن الدولة بكل مكوناتها، لا عن فئة أو طرف دون آخر.