الاصطفاف الطائفي مرة اخرى
تحالفات ما بعد الانتخابات أفرزت كتلتين برلمانيتين على أساس طائفي: الإطار التنسيقي الشيعي بوصفه الكتلة الأكبر، والمجلس السياسي الوطني السني، وسيلتحق بهما التحالف الكردستاني بعد ترتيب الأوراق بين قادة أربيل والسليمانية، ليكون شكل البرلمان القادم مشابهاً إلى حد كبير لبرلمان عام 2018، مع رئيس وزراء من خارج الكتل، كما هو متوقع، ولا يحمل ثقلاً حزبياً.
المشهد بهذه الصورة أجهض المشروع الوطني أولاً؛ لأن الكتل ستستعمل أسلوب الصفقات و"السلة الواحدة" في توزيع المناصب. وفي العرف السياسي للعراق بعد عام 2003 يكون رئيس الجمهورية للكرد)، ورئيس البرلمان للسنة، ورئيس مجلس الوزراء للشيعة.
كما أعاد رسم المشهد على أساس طائفي–قومي ثانياً؛ فبالرغم من الأسماء الرنانة والكبيرة التي رُوِّج لها في الحملات الانتخابية، إلا أن الصورة والتخطيط اللذين رسمهما بريمر منذ أكثر من عقدين ما زالا حاضرين وبقوة.
أما ثالثاً، فقد علّق أي آمال إيجابية على البرلمان القادم، لأنه سيكون برلمان صفقات واتفاقات بلا معارضة تُذكر، إذ إن القوى الثلاث استوعبت الجميع تقريباً، ولم يبقَ سوى الأفراد الذين لا تأثير لهم يُذكر داخل قبة البرلمان.
وإن كان هذا ديدن الديمقراطية في بلد متعدد الطوائف والقوميات، إلا أننا كنّا نأمل أن ينهض المشروع الوطني من رحم صناديق الاقتراع، وأن نغادر الطائفية إلى غير رجعة… لكن الآمال شيء والواقع شيء آخر.
ولكي نعبر بالعراق إلى برّ الأمان، ونتجاوز الأزمات المتلاطمة والخطيرة، ونتفادى تكرار سيناريو تظاهرات 2019، فنحن بحاجة ماسّة إلى تغليب المصلحة العليا للبلاد ومصلحة المواطن على المصالح والأهواء الحزبية والطائفية والقومية والجهوية والشخصية الضيقة في العمل السياسي. فلسنا بحاجة إلى صفقات، أو "سلال قوانين"، أو رئيس وزراء بدرجة وصلاحيات مدير عام كما يُروَّج في الإعلام، ولا إلى حكومة لا تصمد أكثر من عام…
بل نحن بأمسّ الحاجة إلى شخص قوي، مهني، متخصص، يمتلك صلاحيات كاملة، ومدعوم من الجميع، ليقود سفينة البلاد إلى برّ الأمان.
ولتذهب الطائفية عند الاختيار من الواجهة إلى الخلف أمام مصلحة العراق، فالتاريخ لا يعيد نفسه، والشعب الذي انتخب ينتظر نتيجة تصويته، وهو قابل للانفجار تحت وطأة الأزمة الاقتصادية القادمة، فأحسنوا التصرف بحكمة أيها الساسة، ولا تأخذكم نشوة الفوز الانتخابي؛ فالشعب لا يرحم.