هل ينجح البرلمان العراقي في مهامه الدستورية؟

لا خلاف في أن الدستور رسم خارطة انعقاد البرلمان وتشكيل الحكومة ضمن توقيتات دستورية محددة، لكنه ـ ومع الأسف ـ لم يضع سقفًا زمنيًا نهائيًا لا يمكن تجاوزه.

صادقت المحكمة الاتحادية العليا يوم الأحد الماضي على النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب، بعد استكمالها إجراءات التدقيق والمداولة الخاصة بانتخابات الدورة السادسة، مؤكدةً أن العملية استوفت جميع المتطلبات الدستورية والقانونية، ولم يثبت وجود أي خرق يؤثر في سلامتها أو صحتها.

واستنادًا إلى أحكام الفقرة (سابعًا) من المادة (93) من دستور جمهورية العراق الدائم لسنة 2005، فإن المحكمة الاتحادية العليا قد قامت بواجبها بإشعار السلطات الدستورية الثلاث بقرار المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات.

وبالفعل، لم يكد يمضي يومان على هذا الإعلان حتى دعا رئيس الجمهورية البرلمانَ الجديد للانعقاد يوم 29/12 من هذا العام وخلال مدة خمسة عشر يومًا، فهل نحن نسير بجدية ضمن التوقيتات الدستورية؟ وهل ستتشكل الحكومة بسرعة، أم أننا أمام ماراثون طويل هذه بدايته؟

لا خلاف في أن الدستور رسم خارطة انعقاد البرلمان وتشكيل الحكومة ضمن توقيتات دستورية محددة، لكنه ـ ومع الأسف ـ لم يضع سقفًا زمنيًا نهائيًا لا يمكن تجاوزه، بل ترك الأمر للقوى السياسية الفائزة؛ تعقد البرلمان أو تعطل انعقاده عامًا، وتشكل الحكومة في يوم أو تؤخرها أكثر من عام. ومن الحقائق المهمة أن أغلب القوى المخضرمة الفائزة اليوم هي ممن كتبوا دستور 2005 قبل عقدين من الزمن، وهي أول من عمل على خرق بنوده وسقوفه الزمنية متى ما تعارضت مع مصالحها.

لن نقول إننا بحاجة إلى دستور جديد، بل إلى تعديلات على الدستور الحالي في الوقت المناسب، تتوافق مع المرحلة الراهنة وتتجاوز إشكالات التطبيق التي حدثت خلال المرحلة الماضية. وعودةً إلى انعقاد البرلمان وتحديد رئيس السن، الذي سيكون أحد نواب محافظة البصرة، فإن العملية ستكون سلسة ولن تأخذ وقتًا أطول، لعدة أسباب، منها: طبيعة وحساسية المرحلة الحالية في العراق والمنطقة، ما سيجعل الخطوات الدستورية سريعة تجنبًا للتدخلات الخارجية العميقة.

تقارب النتائج واتفاق الطوائف على تكتلات كبرى ثلاث، ما حدّ من الخلافات على النتائج الانتخابية، وسيحدّ بشكل مؤكد من الخلافات على مناصب الرئاسات الثلاث.

التحديات المالية التي تعصف بالبلاد، جعلت القوى السياسية أمام مسؤولية تاريخية في معالجة هذا الملف، الذي يُعد السبب الرئيس في تداعياته؛ لأنها هي من شكّلت الحكومة الماضية وكل الحكومات السابقة.

قد تكون الكتل السياسية قد استفادت من التجارب السلبية السابقة، وتحاول هذه المرة تفادي أخطائها الماضية.

وإن كانت الفقرة الأخيرة مستبعدة، لأن التجارب السابقة أوضحت أن الكتل السياسية لا تتعلم من أخطائها، بل تعيدها مرة أخرى، فإن البرلمان المقبل لن يكون بأفضل حال من سابقيه. فالآليات التشريعية التي يجب على البرلمان تبنيها أولًا لمساءلة النخبة الحاكمة ستكون محكومة بمصالح زعماء الكتل أنفسهم، ولا دور للنواب في تبنيها منفردين أو الخروج من عباءة القيادات التقليدية في أي حال من الأحوال.

أما نمط السلوك السياسي ثانيًا، فسيبقى في دائرة الاستئثار والصراع، ولن يدخل إلى التعاون المنتج ما دامت المصالح الحزبية الضيقة، والشخصية، والمناطقية، والطائفية، والقومية هي السائدة، وتتفوق على مصلحة الوطن والمواطن. وما دامت الحكومة ـ ثالثًا ـ هي بنت البرلمان، فلن تُحاسَب، ولن تُراقَب، ولن يُستجوب أعضاؤها داخل قبة البرلمان، لأنها نتيجة محاصصة الفائزين جميعًا، في ظل غياب المعارضة البرلمانية ـ رابعًا ـ التي تُعد بيضة القبان وميزان التوازن في أي برلمان في العالم. ومتى ما اختل نصابها، لن ينجح البرلمان، ولن تمر قوانين المشاريع المطلوبة بسلاسة، إلا ما يراه الحاكمون متوائمًا مع مصالحهم.

وفق هذا المنظور، لن تنجح أي حكومة قادمة في تجاوز التحديات إلا من خلال تعاون مرن بين البرلمان والحكومة، عبر آليات رقابة صارمة واستجواب دون مجاملة أو محاباة، وتهيئة التشريعات اللازمة لنجاح وتسهيل عمل الحكومة، وإقرار القوانين المعطلة، وهو ما لا يحدث في العراق إلا نادرًا.

إن تكرار التجارب السابقة وغياب الشعور بالتغيير لدى المواطن يؤديان إلى تآكل ركائز الديمقراطية، ومثلما غابت المعارضة عن البرلمان لأكثر من عقدين، فإننا على موعد مع غياب المواطن عن صناديق الاقتراع في أقرب فرصة، إن لم ينجح البرلمان والحكومة القادمان في تجاوز الأزمة المالية الخانقة وباقي الأزمات بحلول موضوعية وعاجلة.