سيناريوهات صعبة لتشكيل الحكومة

مع احتمالات انشقاق الإصلاح والتنمية عن الإطار التنسيقي، قد يتعقد المشهد ويعيدنا إلى سيناريو 2021.

تبقى سيناريوهات تشكيل الحكومة القادمة في العراق طبيعية مع ظهور ثلاث كتل كبيرة تمثل المكونات الرئيسة في البلاد، فالإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني والكتل الكردستانية كفيلة بالاتفاق على حسم الملف بتقاسم المناصب العليا وتشكيل حكومة ائتلافية قوية إذا جرت الأمور على طبيعتها وفق العرف السياسي الذي ساد بعد عام 2003. لكن السؤال يبقى: هل ستجري الأمور طبيعية، أم نحن أمام ماراثون طويل من النقاشات والمشاورات والانشقاقات حتى تشكيل الحكومة القادمة؟

تبدو الأمور طبيعية حتى الآن، مع إعلان الإطار التنسيقي نفسه الكتلة البرلمانية الأكبر في البرلمان المقبل وبحثه عن مرشح لرئاسة مجلس الوزراء وفق شروط وضوابط لتشكيل الحكومة. لكن هناك تحديات لهذا الإعلان، منها: القوى داخل الإطار ليست متفقة فيما بينها على طول الخط، فهناك من رشح المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون، وتيار الحكمة يريد الاستئناس برأي المرجعية الدينية، وآخرون يرون بالعبادي المنقذ.

هناك احتمالات قوية لانشقاق ائتلاف الإصلاح والتنمية عن الإطار التنسيقي بعد إعلانه الأخير بأنه الفائز الأكبر، وزعيمه السوداني مرشحه الوحيد لرئاسة الحكومة المقبلة. ومع احتمالات انشقاق الإصلاح والتنمية عن الإطار التنسيقي، قد يتعقد المشهد ويعيدنا إلى سيناريو 2021.

أما بالنسبة للقوى الأخرى فهي ليست بأحسن حال من الإطار، فالاختلافات الكبيرة بين قادة المجلس السياسي الوطني ما زالت تعصف بمواقفهم تجاه اختيار المرشح لمنصب رئيس البرلمان.

وعلى صعيد الكتل الكردستانية، لم تلتئم حتى اليوم في كيان برلماني واحد، والاختلاف على شخص رئيس الجمهورية حاضر وبقوة، خصوصًا بعد الحديث الأخير عن نية بافل طالباني، زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، الترشح لهذا المنصب.

ومع وضوح الصورة بعد إغلاق صناديق الاقتراع وتكتل الطوائف في كيانات برلمانية موحدة، يسودها الضبابية وعدم الوضوح في الحديث عن المناصب وتعيين الأشخاص؛ فالكل يبحث عن مصالحه، ولا أحد يبحث عن مصلحة الوطن وحقوق المواطن الذي منح الثقة للفائزين. يضاف إلى ذلك الدور الخارجي الأميركي الذي دخل بقوة على خط تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، من خلال تصريحات ترامب السابقة للانتخابات، وتعيينه مارك سافايا مبعوثًا خاصًا له في العراق، وإرسال توم باراك المبعوث الأميركي الخاص في سوريا والشرق الأوسط إلى بغداد وأربيل قبل يومين لترتيب الأوراق.

إن ماراثون تشكيل الحكومة وسيناريوهاته معقد هذه المرة، فهو يخضع أولًا للصراع على المناصب بين الفائزين الكبار، ثانيًا لمدى تماسك الكيانات الطائفية، وثالثًا لقدرة المؤثر الخارجي في تغيير بوصلة الأحداث.

ولو تشكلت الحكومة بسرعة — وهو ما يحتاجه العراق اليوم بقرار داخلي دون أي تدخل خارجي — يفترض أن تراعي مصلحة الوطن والمواطن أولًا، أو أنها ستتشكل بعد مخاض عسير. وفي كلتا الحالتين، ستواجه الحكومة تحديات كبيرة وجسيمة اقتصادية وأمنية وبيئية، وقد لا تتمكن أي حكومة مهما كانت قوية من الصمود أمامها أكثر من عام واحد، لأنها حكومة مكونات بلا معارضة؛ ما يبقي النظام السياسي هشًا ومشوّهًا، ويفرغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي.