التكاملية في العرض المسرحي الرقمي

التوظيف التقني في العرض ينبغي أن يكون مصحوبا بالابتكار والتجريب لكي نصل إلى هذه التكاملية الخلاقة والمدهشة حقا.

في كل مرة يبدو لزاما علي - ووفقا لمناسبة أو بدونها - إعادة تعريف المسرح الرقمي الذي عرفته أول مرة عام 2005 حين طرحت مشروعي عن نظرية هذا النوع المسرحي وقلت حينها "المسرح الرقمي قادم" .. ولقد طرأ على تعريفي الأول عدة تغييرات وتعديلات وإضافات طيلة هذه الـ20 عاما بحكم متابعتي واطلاعي على ما أحصل عليه حول هذا المسرح وتطوير وترسيخ نظريتي تلك .. 

وعليه أثبت تعريف المسرح الرقمي، وهو "المسرح الذي يستثمر التقنيات الرقمية الجديدة في فضاء العرض بهدف تثوير جماليات العرض البصرية والسمعية والتي تتفاعل هذه الجماليات مع الممثل وفي الـ'هنا' و'الان' أمام المتلقين مباشرة".

سقت هذه المقدمة لكي أمهد مداخلتي النقدية هذه والتي لم تزل منفعلة ذاتيا مع العرض المسرحي الذي انتهيت من مشاهدته قبل ساعة تقريبا وهو عرض (Not 1 #) من رومانيا لفرقة مسرح توني بولاندر، فكرة وإخراج "كاترينا موتشي سيسموندي" والأداء المنفرد للممثلة اليسا مونو وهو من عروض مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته 32 المقامة حاليا 2025 وتم تقديم العرض على مسرح الغد.

يستند المتن الحكائي للعرض على سيرة مكثفة لفتاة منكسرة تعيش عزلتها بسبب تعرضها في الماضي إلى الاغتصاب الأمر الذي خلخل انسانيتها مبكرا لتضع نفسها في عزلة واغتراب تامين عن الجميع. 

لماذا "التكاملية" في العرض المسرحي الرقمي كما جاء في عنوان مداخلتي النقدية هذه ؟ .. فأقول: 

اكتشفت اليوم ومن خلال هذا العرض أن عملية استثمار التقنيات الرقمية الحاسوبية الجديدة، ليست مجرد استثمار عملي تطبيقي يستثمر فيها المخرج هذه التقنيات في فضائه الإخراجي حسب كما نجده في غالبية العروض المسرحية العربية التي تحاول توظيف هذه الرقمية، بل إن هذا الاستثمار أو التوظيف التقني في العرض ينبغي أن يكون مصحوبا بـ"الابتكار" و"التجريب" لكي نصل إلى هذه "التكاملية" الخلاقة والمدهشة حقا .. فما فعله الإخراج هنا منذ لحظة بدء العرض إلى نهايته في زمن "45 دقيقة"، خلق عالم تقني رقمي ساحر وغير متوقع بما أضفاه لنا بيئة رقمية متكاملة "أرضية المسرح وانعكاسها صوريا على شاشة خلفية" مع استخدامه لملحقات صوتية من اللاقطات الصوتية المتحولة بحسب الموقف الدرامي وانسجته الدلالية المبتكرة هي الأخرى، وهي تخوض- ونحن كمتلقين معها - وسط غمار الفضاء التجريبي بتحولات صورية وسمعية هيمنت على التلقي وضبطت إيقاع العرض برمته.

المهم والمثير في الأمر، وبرغم هذا الاستثمار الرقمي طيلة زمن العرض، ظل الممثل هو المتسيد البطل الأوحد على طول خط البناء الدرامي، ولم يضيع أو يتلاشى وسط هذه الزخرفية الرقمية المقصودة إخراجيا والمتداخلة حقا مع ميزانسين الحركة الأدائية والتقنية.. فكانت بطلة العرض بصوتها وجسدها وحسها الداخلي، وكأنها تذوب وسط هذا الاستثمار الرقمي، متلاقحة ومنغمسة معه لدرجة أنها لا تستطيع التعبير عن مشاعرها إلا وسط هذا الفضاء الذي ألهمها حضورا أدائيا لا متوقعا هو الآخر .. حيث انسيابية جسدها وتقمصها الغائر جوف الألم ودموعها وانتفاضتها حتى مع كادر العرض التقني وهي تجبرهم على إيقاف العرض وتخرج من القاعة وتختفي ثم تعود مكملة سيرة أحزانها بتكثيف درامي حاد وعنيف. 

هذا العرض الرقمي كان درسا بليغا في استثمار هذه التقنيات الرقمية الجديدة نتعلم منها الكثير لأنها أعطت جوا جماليا فكريا للممثلة بأن تصل هي الأخرى إلى أداء مسرحي مبهر ومدهش هو الآخر.