التَّاريخ كرّر نفسَه.. الميليشيا والدولة

من الأكاذيب أن كلّ حشدٍ يدّعي أنه ظهير الدَّولة وحامي الشَّعب.

التَّاريخ كرّر نفسَه.. الميليشيا والدولة
هكذا تتحول العواصم إلى ساحات للتغالب بين أمراء السلاح. هذا في ماضي الزمان، يوم لم يطلب الناس غير الكفاف، فكيف اليوم وهم بحاجة إلى أنظمة من التعليم والطب والعمران، بينما الحشود لا تجيد غير الخراب بأمر من الخارج وتكليفه.

كان وما يزال تعدد الجيوش أحد أبرز عوامل خراب الدُّول، وهذا ما يُعرف بالحشود الموازية. ومن الأكاذيب أن كلّ حشدٍ يدّعي أنه ظهير الدَّولة وحامي الشَّعب، فمن العادة، قديمًا وحديثًا، أن أي عسكرية موازية لجيش الدَّولة يكون ولاؤها خارجيًّا، وبهذه المعادلة تحولت دول إلى أشباه دول. وصلت الجرأة بأحد قادة الميليشيات أن يطلب من جيش الدّولة إلغاء نفسه لصالح حشده، لأنه "مليءٌ بالخونة، والجيش البديل هو جيشه، جيش الإسلام".

لنا في التّاريخ الوسيط نموذج: فبعد تكاثر أمراء الحرب داخل الدّولة العباسية – الطاهريون، والصفاريون، والسامانيون، والبويهيون، والغزنويون، وآخرهم السلاجقة – لم يبق لبغداد غير الخِطبة، وكلّ هؤلاء بحاجة إلى ختم الخليفة لإضفاء الشرعية الدينية فقط. وبما أن الشَّرق كان تقاسم نفوذ بين الفاطميين بمصر والعباسيين بالعراق، صارت الميليشيات تتجاوز الحدود، وخصوصًا بعد الهيمنة البويهية، التي استغلت واقعة كربلاء، فأعلنوا عاشوراء رسميًّا (352 هـ)، ورسموا عيد "الغدير"، وكتبوا على النقود، ورفعوا الشعارات الطائفية، فانقسمت بغداد، واشتد النزاع، مواكب تعلن "الغدير" وأخرى "عيد الغار" (ابن الأثير، الكامل في التَّاريخ).

تجاوز قائد الميليشيا بهاء الدولة فيروز بن فناخسرو عضد الدولة على الخليفة الطائع بالله (خُلع 381 هـ) لضعفه، عندما سحبه أمام الوجهاء، وبينهم الشريف الرضي (ت: 406 هـ). فقال ما مطلعه، وهو يشاهد الخليفة مطروحًا على الأرض، وكان صديقًا له:
"هيهاتُ أَغترُ بالسَّلطان ثانيةً / قد ضلَّ ولَجَّ أبوابَ السَّلاطين"
(مسكويه، تجارب الأُمم).

يُعيد التّاريخ المأساة: يقف قائد في الجيش الموازي ويخاطب المسؤول التنفيذي الأول: "نقطع أذنك"! ويضعون صورته تحت أقدامهم، وهم والمسؤول من مذهب واحد، مع اختلاف الولاء العقائدي بين الوطن والخارج. فإذا برر الطائفيون اختلاف الخليفة وقائد الميليشيا فيروز بالمذهب، واعتبروا الاعتداء على الخليفة نصرةً للمذهب، فبماذا يبررون اعتداء اليوم؟ ولكم تخيّل الكارثة.

لكن الأخطر أن أبا المنيع قرواش (ت: 441 هـ) نائب البويهيين على الموصل والأنبار والكوفة، ألغى الخِطبة للخليفة ببغداد (401 هـ)، وأقامها للحاكم بأمر الله الفاطمي (ت: 411 هـ). ولحزم القادر بالله (حكم 381-422 هـ) فشل المشروع. فقد أرسل الخليفة إلى فيروز أن يكفّ صاحبه قرواش ويُعيد الولايات لبغداد، فبعد إعلان شرعية الحاكم الفاطمي على تلك المناطق، تركها العلويون والعباسيون إلى بغداد.

لم يستطع فيروز الامتناع لقوة القادر بالله، فكلف عميد الجيوش بالمسير إلى قرواش، فقدم الأخير اعتذاره، وعادت الخِطبة لبغداد، فقبلها البويهيون على مضض (ابن الأثير، الكامل في التَّاريخ.) وكان التجاوز وراء إصدار محضر قدح بأصول الفاطميين العلوية، وأمضاه وجهاء بغداد كافة من الشيعة والسنة "كتب خطه في المحضر خلق كثير من العلويين: المرتضى، والرضي، وابن الأزرق الموسوي، وأبوطاهر بن أبي الطيب، ومحمد بن محمد بن عمر (الشيخ المفيد)، وابن أبي يعلى. ومن القضاة: أبومحمد ابن الأكفاني، وأبوالقاسم الخرزي... ومن الشهود: أبوالقاسم التنوخي" (سبط ابن الجوزي، مرآة الزَّمان).

انظروا في أسماء الموقعين وهوياتهم المذهبية: من الرضي والمرتضى إلى المفيد كانوا مع بغداد، بغض النظر عمَّن يحكمها، سواء كان بويهياً أو فاطمياً. دفع تصرف فيروز وقرواش، والمظاهر الطائفية العنيفة، الخليفة القادر إلى اتخاذ إجراءات مضادة، كانت بغداد في غنى عنها، حتى اضطر خليفته القائم بأمر الله (حكم: 422-467 هـ) إلى الاستنجاد بالسلاجقة الأتراك، فدخلوا بغداد (447 هـ) فأنهوا النفوذ الفارسي (سبط ابن الجوزي، مرآة الزَّمان)، ليبدأ النفوذ التركي.

هكذا تتحول العواصم إلى ساحات للتغالب بين أمراء السلاح. هذا في ماضي الزمان، يوم لم يطلب الناس غير الكفاف، فكيف اليوم وهم بحاجة إلى أنظمة من التعليم والطب والعمران، بينما الحشود لا تجيد غير الخراب بأمر من الخارج وتكليفه.

هذا، ونُذكّر بالجواهري (ت: 1997) "مستأجرين يخرِّبون ديارَهُم / ويكافأون على الخرابِ رواتبَا"
الوتري (1949)

أقول: التّاريخ كرّر نفسه، الميليشيا والدَّولة، باتفاق النوايا البلايا.