الجزائر الجديدة التي نحلم بها، لا جزائر خالد نزار وديغول!

كيفما تتلفت في الجزائر تحس بالاحباط. لا شيء يتغير إلا الوجوه.


كيف لنا أن نثق فيمن يرفعون شعار الجزائر الجديدة ونحن نرى عودة الوجوه الممسوخة


جزء من الحراك انفلت من حاجز المراقبة وتعدى المألوف وفاجأ العصابة التي كانت تنوي وأده


وصل الأمر لدرجة البهتان وأصبح من كان عمره 5 سنوات مجاهدا أو شاهدا على أحداث الثورة!

من عايشوا جيلي؛ عرفوا ما عاشته الجزائر -خلال مرحلة هواري بومدين على الأقل إلى جيل عبدالمجيد تبون- وسمعوا بآذانهم قصص الثورة من صانعيها مباشرة، قبل أن يبدأ تأليف الروايات وصنع الأفلام والمسلسلات، حيث وصل الأمر إلى درجة البهتان وأصبح من كان في عمره 5 سنوات مجاهدا أو شاهدا على أحداث الثورة! وشاهدوا بأعينهم آثار الدمار الذي تركته فرنسا، في المداشر والبيوت التي هدمتها طائراتها والبساتين التي أحرقتها غازاتها..الخ، ولحقوا بعناصر جيش التحرير في الثكنات، وهم لا يزالون يمسكون أصابعهم على الزناد، خوفا من احتلال جديد بطريقة أخرى.

هؤلاء عرفوا همّة الجزائري أيام هواري بومدين، مع الهفوات والأخطاء والسرقات المختلفة التي تعرض لها الشعب، وسمعوا خطاباته الجهورية ولمسوا أفعاله وهي تجسد على أرض الواقع بعد كل قرار، وهيبة الجزائر في المحافل الدولية - أين كان يقف الزعماء لاسم الجزائر ويرفعون القبعة، ومواقفها من قضايا الشعوب وتحرّرها، ودرسوا على يد معلمين، منهم من كان عضوا نشطا في حزب الشعب ومنهم من كان عضوا في جمعية العلماء ـ ومنهم من تخرج من الزيتونة ومنهم من درس في بغداد ودمشق وفاس والقاهرة ومنهم من جاء من فلسطين، وارتووا بحليب الوطنية الصادقة الصافي من درن الخيانة والعمالة، وصانته فوق كلّ هذا عناية إلهية، إلى أن أمسك جيل نزار وتواتي والعربي بلخير وغيرهم، ممن ارتووا بالغدر والسفالة، زمام الأمور، وأرادوا أن ينتقموا من هُوية الشعب عبر أبواب مختلفة، عجز المحتل عن اختراقها، ويستوردون نظاما جاهزا يحرفوا به فطرة الشعب الجزائري، معتمدين على المستلبين فكريا، مستعملين ثروات الشعب التي حرّرها بدمائه على مرّ العصور، والتي اختلطت بالعروبة والأمازيغية فهذا طارق وذاك العربي وذاك بطل وآخر صنديد، وأحبطت عدوانا غاشما، مستعملين المنخدعين بوطنية مكذوبة ودين محرّف.

رأوا بأعينهم كيف انقلبت الموازين، وكيف أدخل الشعب في مغامرة بعد وفاة هواري بومدين التي تبقى لغزا يجب أن يفك طلسماته، ومهدت وفاته لوصول فصيل الخونة الذين أسسوا لمحرقة التسعينيات بدءًا بتصفية ضباط جيش التحرير بحجة الاطاحة بالجنرال بلوصيف، فأحداث أكتوبر الأليمة، وكيف أزيح مهري من جبهة التحرير بعدها في مؤامرة أمنية كان أبطالها من أصحاب الوطنية المغشوشة، ؟ وكيف همشت الشخصيات الوطنية والطاقات المختلفة؟ وبدأت هجرة العقول والحرقة، وكيف بدأ تسليم المؤسسات والأملاك العمومية، ؟ ورأوا سلوكات غريبة وخطابات وممارسات جديدة، لجزائر جديدة، غير الجزائر التي أرادها جيل نوفمبر ويؤمن بها الشعب.

فبعدما كانت الجزائر تعرف باالأمير عبدالقادر والعربي بن مهيدي وبن باديس والورتلاني وعميروش وزهانة ولالة نسومر والمقراني، وشخصيات أخرى على المستوى الوطني- يحتاج ذكر أصحابها وأعلامها الى مجلدات- أصبحت تعرف بالشاب خالد، دي دي واه، وغيره ممن كانوا يزعمون رفع العلم وتمثيل شهداء الجزائر وهم يأخذون ملايين ومليارات، وفرق واضح بين جيل هواري بومدين وجيل هواري (...) وأضع نقطة.

انفلت العقد وانقلبت الموازين. فلم يعد الإمام إمامًا ولا الطبيب طبيبًا ولا الأستاذ أستاذًا ولا الأم أمًا وحلت الساعة باختصار، حيث بتنا نشاهد أناسًا تشعل أنفسها بالبنزين، ومنهم من يلقي نفسه من قمة جبلٍ أو من أعلى جسرٍ، وأدخلت الجزائر في فتنة عمياء، ارتكبت فيها مجازر رهيبة لم نتخلص من تداعياتها الى اليوم، دونما معرفة للحقيقة أو حتى الاتعاظ.

تحرك من مازال في قلوبهم عرق ينبض، وبدأوا في محاولات استنهاض الأمة بدءً بوضع كمّادة على النزيف لمحاصرته، وخاضوا حروبا على جبهات مختلفة، سواء بالكتابة أو بالتسجيلات أو بأعمال أخرى منها ماهو مرئي ومنها ما كان غير ذلك، وبدأت ردود الأفعال والمبادرات تظهر لجمع الشمل وتغيير واقع الجزائر الموبوء آنذاك، ووصل الصدى الى قادة في الجيش كانوا في صفوف خلفية، وما تبقى من النخوة الوطنية التي ضرب عليها حصار لاسيما في وسائل الإعلام، وفتح حوار في الانترنت لكسر تلك الحواجز النفسية التي اصطنعوها، ومعه كسرت جميع الطابوهات في المنتديات في البداية قبل ظهور اليتيوب والفيسبوك، وبدأ الوعي يتراكم، فبدأت العصابة تشعر بالحرج وبالرياح القادمة، وتعد عدتها من جديد لاسيما وأنها بدأت تفقد السيطرة والاحتكار على المعلومة، فابتعثت أناسا الى الخارج للطعن في الشهادات، ومونتهم بالمال والاشهار والأخبار والعتاد، قصد تحريف الوعي وتضليل الناس وإبعادهم عن معرفة الحقيقة، والايقاع بأناس قصد ابتزاهم سواء بالصوت أو بالصورة، لتخويف البقية ممن يتحدثون في الشأن العام، وتم إجهاض عدة محاولات للتغيير كانت أولاها في 2011 بعد فشل محاولات أخرى من قبل، وتم اختلاق حركات جديدة وحزيبات جديدة وشخصيات جديدة، قصد إجهاض عملية التغيير وإغراق الساحة وتقديم أناس للترشح منهم من أسنانه ساقطة، لتكفير الناس بالسياسة وتيئيسهم من الحلول.

جاء الحراك الذي كان مخترقا منذ بدايته من طرف هذه الدولة العميقة واللعينة، كما ذكرنا في مواضيع سابقة، مع أن جزءًا منه كان للكفر بعهد بوتفليقة، غير أن جزءًا منه انفلت من حاجز المراقبة وكسر الحواجز وتعدى المألوف وفاجأ في بعض جوانبه العصابة التي كانت تنوي وأده، فأعطيت الفرصة لجناح في الجيش كهدية ربانية، فأمسك قبضته وأدخل بعض رؤوس العصابة الى السجن، وكنا نأمل أن يستغل قادة الجيش لاسيما الذين لايظهرون في وسائل الاعلام، هذه الفرصة التاريخية فيطهروا الجزائر من رجس الصعاليك الذين عاثوا في الأرض فسادا، ويعيدوا الجزائر الى أبنائها الوطنيين والأصلاء من الذين كانوا يتألمون لطعنها وتشويهها أمام الأمم بالارهاب تارة وبالسفالة والرداءة تارة أخرى، حيث وصلت صورة الجزائر مع صورة بوتفليقة وهو على كرسي إلى سينما مفتوحة والشعوب تضحك. وكان أملنا أن نرى ممارسات جديدة وسلوكات جديدة وخطابات جديدة، فأعلنت وفاة قايد صالح التي تبقى محل تحقيق وتساؤلات لاسيما وأنها حصلت مباشرة بعد تمكين عبدالمجيد تبون، إلى أن جاء فيروس كورونا وجمد الحراك.. ومع أن آفة الفيروس الفتاك مست المجتمعات كلها وبينت ضعف الدول الكبرى أمامه فكيف بما دونها؟

كنا نأمل أن يكون هذا الامتحان مدرسة للمراجعة، مدرسة للم الشمل، مدرسة للتراحم، مدرسة للعطاء والتضحية، ولكن للأسف هاهي شعوب بدأت تخرج من هذا الوباء ورغم ماحل بها، وبدأت تستعيد نشاطها، الا أن في الجزائر ومع ماحل بها من ضحايا الاّ أنه لا يقارن أبدا بما حصل في غير الجزائر، فالذي قتل بسبب فيروس كورونا طيلة الفترة قتل في يوم واحد في دولة أوربية، وبتنا نشاهد التوظيف السياسي لهذه الآفة، وبدل أن نسير الى جزائر جديدة أعيد تعيين وجوه ممقوتة شعبيا وعادت حالة الاحتقان والاستياء.

كيف لنا أن نثق فيمن يرفعون شعار الجزائر الجديدة المختطف من أصحابه الحقيقيين، ونحن نرى عودة الوجوه الممسوخة التي ساهمت في طعن الجزائر في خصرها؟ كيف لنا أن نثق فيمن يحملون شعار الجزائر الجديدة ونحن لا نزال نشهد نفس السلوكيات والتصرفات والممارسات؟ أتعجز دولة بحجم قارة أن تعطي جواز سفر لمواطن يثبت هويته دون مساومة وهو الجزائري أبا عن جد، ؟ فيما لا يزال رؤوس العصابة يتمتعون بالحماية؟ ويتم تعيين أناس شاركوا في إبكاء الشعب في مجلس الأمة بل وفي الرئاسة؟

نريد أن نشم في أي موقف يقوم به أي مسؤول رائحة الجزائر الجديدة ومعالمها، وفي أي حدث يحل بالجزائر الجزائر الجديدة. في التعيينات، في المراسلات، في التعاملات، في الديبلوماسية، في العقليات، حتى في الديكور، في الهيئات، نريد أن نرى وجوها جديدة وإعلاما جديدا، وممارسات جديدة من القمة الى القاعدة. نريد أن نرى سلوكات جديدة في كل المجالات الرياضية والسياسية والسياحية والاقتصادية، في الادارة، نريد أن نشم أجواء جديدة، فضاءات جديدة، علاقات جديدة.

هل يمكن أن نتحدث عن جزائر جديدة بعقليات قديمة؟ بوجوه أقذر من القذارة، وأوسخ من الوساخة، هل يمكن أن نتحدث عن جزائر بالطعن في الهوية؟ هل يمكن أن نتحدث عن جزائر جديدة بالعملاء والمرتزقة؟ هل يمكن أن نتحدث عن جزائر جديدة بأشخاص لايعرفون شيئا عن الانترنت وعن التكنولوجيا؟ هل يمكن أن نتحدث عن جزائر جديدة بنفس الوجوه المحنطة؟

تغيير الأسماء والشعارات وبقاء دار نزار وتوفيق وتواتي ووووو على حالها لم يعد بنافع، ولا سياسة الترقيع والهروب الى الأمام وتغيير الأقنعة بنافع، ولا تغيير زعامات قديمة بجديدة بنافع، ولا مشايخ قدماء بمشايخ جدد بنافع، نريد أن يتغير واقعنا إلى أحسن من خلال جزائر جديدة فعلا وقولا، وهذه هي الجزائر التي نحلم ونعمل لها، ، جزائر الأخلاق، جزائر الكفاءة، جزائر العلم، جزائر الطبيعة، جزائر الساحة، جزائر البيئة، جزائر الطاقات المتجددة، جزائر الإقتصاد، جزائر الفلاحة والزراعة، جزائر نصرة المظلوم، لا أن نبقى في حلقة مفرغة وحالنا من سيئ إلى أسوأ.

وعندما أقول هذا فأنا لا أقصد فقط من هم في السلطة الحالية، بل أعني حتى الحالمين بها، سواء الذين فشلوا في تحقيق مبتغاهم وساروا من قبل في انتخابات 12 ديسمبر 2019 وقبلوا بنتائجها دون أن يطعنوا فيها وهم الآن يهددون بالنزول الى الشارع للضغط من أجل الحصول على مواقع، أو الذين، اختاروا 19 جوان 2020 كذكرى لعودة الحراك بعد التجميد بسبب فيروس كورونا، وهم لا يزالون يحملون أحقادا قديمة على هواري بومدين الذي منعهم من إمساك الجزائر والانتقام من العرب والاسلام وأصالة الشعب الجزائري. ففرق بين الجزائر التي يحلم بها الشعب، وبين جزائر خالد نزار وأتباعه وجزائر ديغول.