الجهود السعودية لخدمة الثقافة الإنسانية تمتد من الرياض إلى سيئول

كوريا الجنوبية تشهد تتويج الفائزين بجائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة.
أمانة الجائزة ومكتبة المؤسس تحتفلان باليوم العالمي للترجمة بملتقى علمي سعودي كوري

يتعزّز حضور الثقافة السعودية في العالم يوماً بعد يوم، وتتواصل جهود المملكة الرامية لخدمة الثقافة الإنسانية، وتمتد تلك الجهود هذه المرة من الرياض إلى سيئول التي استضافت الملتقى العلمي السعودي – الكوري الذي اقيم في مناسبة الإحتفال باليوم العالمي للترجمة، وحمل عنوان "الترجمة والذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات".

الملتقى الذي نظمته مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، و الأمانة العامة لجائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة، بالتعاون مع جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية بالعاصمة الكورية، شارك فيه نخبة من المترجمين والباحثين من المملكة وكوريا الجنوبية، وجاء بالتزامن مع الإحتفال بتتويج الفائزين بجائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للترجمة العالمية.

وبحسب بيان تلقت "اليمامة" نسخة منه، فقد افتتح الملتقى الذي أقيم بجامعة هانكوك معالي المشرف العام على مكتبة الملك عبدالعزيز العامة رئيس أمناء جائزة الملك عبدالله العالمية للترجمة المكلف فيصل بن عبدالرحمن بن معمر، والذي يشارك فيه نخبة من العلماء والباحثين المتخصصين في الترجمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي كلمته بحفل افتتاح الملتقى، اشار معالي الأستاذ فيصل بن معمر إلى المبادرات السعودية الثقافية والمعرفية؛ ولفت إلى قيام المملكة بوضع الترجمة والابتكار في صميم رؤيتها للنهضة الثقافية والتنموية، مؤمنةً بأن رحابة الآفاق لا تحدّها لغة، وأن أعظم استثمار هو في العقول اليقِظة التي تلتقط الجديد؛ فتُحوّله إلى فرصٍ تصنع الفارق.

وأضاف أن الملتقى ساحة حوار مفتوح لاستكشاف آفاق الذكاء الاصطناعي ورسم ملامح مستقبل الترجمة في قلب التحولات الرقمية، ونأمل أن يحمل هذا الملتقى أفكارًا خلّاقة، وأن يكون فضاءً رحبًا للحوار البناء والتبادل المعرفي بين مختلف التخصصات والخبرات، موجها الشكر لجميع المحاضرين والخبراء والمشاركين كما وجه الشكر إلى جامعة هانكوك العريقة، على استضافتها الكريمة واحتضانها لهذا الملتقى، وإلى سفارة المملكة العربية السعودية في جمهورية كوريا على تعاونها البنّاء ودعمها المخلص.

وفي كلمته بافتتاح الملتقى، نوّه رئيس جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية يونغ بارك، بالدور المتميز لمكتبة الملك عبد العزيز العامة في المملكة العربية السعودية، التي تأسست في الرياض عام 1985، ونمت لتصبح مؤسسة ثقافية وفكرية رائدة، تعمل على حفظ التراث العربي والإسلامي مع تطوير البحث العلمي العالمي ودعم الترجمة والبحث والتبادل الثقافي.

وقال يونغ بارك: نتناول خلال جلسات الملتقى الموضوع الذي جاء في وقته وهو "الترجمة والذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات"، ونبحث كيف تتحول الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تعمل التقنيات الجديدة على توسيع نطاق الوصول إلى المعرفة ودعم المترجمين، بينما تثير في الوقت نفسه تساؤلات أخلاقية ومهنية بالغة الأهمية.

وتضمن الملتقى جلستين جاءت الأولى بعنوان : "الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة في الترجمة" وترأستها رئيس قسم اللغة العربية بجامعة هانكوك الدكتورة يون أون كيونغ (نبيلة).

وحملت الجلسة الثانية عنوان: "الترجمة من اللغة العربية وإليها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي" والتي ترأستها الدكتورة مي بنت محمد الراشد عضو اللجنة العلمية بجائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة.

تتويج الفائزين

وكانت العاصمة الكورية سيئول، قد شهدت حفل تتويج الفائزين بجائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة في دورتها الحادية عشرة، وذلك في رحاب جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية، بحضور وزير التعليم يوسف بن عبد الله البنيان، ومعالي رئيس مجلس أمناء الجائزة المكلف والمشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة فيصل بن عبدالرحمن بن معمر، إلى جانب رئيس جامعة هانكوك جونغ وون بارك، ونخبة من الأكاديميين والمثقفين.

وفي مستهل الحفل، ألقى وزير التعليم كلمة رحّب فيها بالحضور، مؤكداً أن هذا المحفل الثقافي والعلمي يعكس اهتمام المملكة العربية السعودية بالعلم والمعرفة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله، مشيرًا إلى أن هذا الاهتمام يتجلى في مختلف المبادرات المعرفية، ويعكس رؤية السعودية 2030 التي تسير بخطى واثقة نحو مستقبل واعد، يرتكز على الاستثمار في الإنسان والعلم، وتعزيز حضور المملكة في شتى المجالات.

وأوضح البنيان أن احتفاء الجائزة هذا العام بالفائزين في كوريا يأتي ضمن أعمال الرؤية السعودية الكورية المشتركة، وبالتعاون مع جامعة هانكوك، ليجسد قيم التواصل الإنساني والتفاعل الثقافي البنّاء بين الأمم، مؤكداً أن الترجمة تُعد من أعظم جسور التفاهم بين الشعوب، وأداة لتعزيز الاحترام والانفتاح على الثقافات المختلفة.

ودعا الجامعات ومراكز الأبحاث والكراسي العلمية إلى إيلاء الترجمة اهتماماً أكبر، من خلال ترجمة البحوث والدراسات الرصينة من مختلف لغات العالم، بما يسهم في تنمية المحتوى العلمي المحلي، ويدعم جهود المملكة نحو التحول إلى اقتصاد المعرفة.

وفي ختام كلمته، رفع أسمى آيات الشكر والتقدير للقيادة الرشيدة، كما ثمّن استضافة جمهورية كوريا لهذا الحدث، وشكر مكتبة الملك عبد العزيز العامة وجامعة هانكوك على شراكتهما الفاعلة، وهنّأ الفائزين بالجائزة، متمنياً لهم مزيدًا من النجاح، ولجميع الجهود العلمية دوام التوفيق والازدهار.

من جانبه، عبّر الأستاذ فيصل بن معمر عن اعتزازه بامتداد حضور هذا المشروع المعرفي العالمي إلى الشرق الآسيوي، مؤكداً أن الترجمة تمثل وسيلة للتعارف الإنساني، وجسرًا عابرًا لحدود الجغرافيا واللغة والثقافة.

واستعرض ابن معمر في كلمته مسيرة المملكة في التحديث والتطوير، مشيرًا إلى الاحتفاء باليوم الوطني الخامس والتسعين، وما تحقق من مكاسب وطنية عظيمة، بفضل خدمة الحرمين الشريفين، وترسيخ المكانة السياسية والاقتصادية للمملكة عالمياً، عبر رؤية 2030.

كما استعرض ابن معمر مراحل تأسيس الجائزة وتطور رؤاها المعرفية والثقافية، باعتبارها أحد المسارات التي تبنتها مكتبة الملك عبد العزيز العامة للاحتفاء بالترجمة والمترجم، مؤكداً المكانة العالمية التي حققتها الجائزة.

وتواصلاً مع هذا النهج، وفي إطار تطوير أعمال الجائزة..؛ أشار معاليه إلى قرار مجلس أمناء الجائزة، استحداث فرع جديد بعنوان: (الترجمة في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة)، اعتبارًا من الدورة الثانية عشرة، في خطوة تستشرف آفاق المستقبل وتواكب التطورات التقنية..

ورفع في ختام كلمته أسمى آيات الشكر والعرفان لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي عهده الأمين، الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس الوزراء، كما شكر معالي وزير التعليم، وجامعة هانكوك، وسفارة المملكة في كوريا، ومجلس أمناء الجائزة، واللجان العلمية، وفريق عمل المكتبة، وكل من أسهم في هذا الإنجاز الحضاري، مقدمًا التهاني للفائزين على جهودهم العلمية الرصينة.

بدوره، عبّر رئيس جامعة هانكوك، جونغ وون بارك، عن فخره باستضافة الحفل، مؤكداً أن الجائزة تعكس الدور الحيوي للترجمة في ربط الثقافات وتعزيز التفاهم المتبادل، مشيرًا إلى أن جامعة هانكوك، التي تأسست عام 1954، تُعد المؤسسة الكورية الرائدة في تعليم اللغات، حيث تُدرّس 45 لغة، من بينها اللغة العربية التي بدأ تدريسها قبل ستين عاماً، وأسهمت في تعزيز التفاعل بين كوريا والعالم العربي، لا سيما المملكة العربية السعودية.

وألقى الأمين العام للجائزة، الدكتور سعيد بن فايز السعيد، كلمة استعرض فيها مسيرة الجائزة منذ تأسيسها، مؤكداً على القيمة الثقافية والمعرفية للترجمة، ودورها الحيوي في تعزيز التفاعل الحضاري والإنساني بين الشعوب، مشيرًا إلى أن الجائزة تمثل منصة عالمية للاحتفاء بالجهود العلمية الرصينة، وتسهم في دعم الحوار المعرفي وتبادل الأفكار بين مختلف الثقافات، مشيداً بالدور الريادي للمملكة في دعم المبادرات المعرفية.

وفي ختام الحفل، تم تكريم الفائزين بالجائزة في فروعها المختلفة، وهم:

الدكتور نايف بن سلطان الحربي والدكتور جمال محمد علي خالد، عن ترجمة كتاب علم الأحياء الدقيقة الجنائي (فرع العلوم الطبيعية من اللغات الأخرى إلى العربية).

الدكتور منصور حسن الشهري، عن ترجمة كتاب نمذجة وميكانيكا المواد القائمة على الكربون ذات البنية النانومترية (فرع العلوم الطبيعية من اللغات الأخرى إلى العربية).

الدكتور زيدو جبريل محمد، عن ترجمة مقامات الحريري من العربية إلى الهوساوية (فرع العلوم الإنسانية من العربية إلى اللغات الأخرى).

الدكتور فؤاد الدواش والدكتور مصطفى الحديبي، عن ترجمة كتاب سيكولوجية الجائحات (فرع العلوم الإنسانية من اللغات الأخرى إلى العربية).

الدكتور بسام بركة والدكتور علي نجيب إبراهيم، عن ترجمة قاموس علم الجمال (فرع العلوم الإنسانية من اللغات الأخرى إلى العربية).

وفي فرع جهود الأفراد:

الدكتور محمد الديداوي (نمساوي الجنسية)

البروفسور وانغ بي وين (صيني الجنسية)

الأستاذة بيرسا جورج كوموتسي (يونانية الجنسية)

وقد تقرر حجب الجائزة في فرعي العلوم الطبيعية من العربية إلى اللغات الأخرى، وجهود المؤسسات والهيئات، لعدم استيفاء الأعمال المرشحة للمعايير المطلوبة.

محاور ملتقى الترجمة والذكاء الإصطناعي

الملتقى العلمي السعودي – الكوري الذي اقيم في مناسبة الإحتفال باليوم العالمي للترجمة، وحمل عنوان "الترجمة والذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات"، واستضافته – أيضاً – سيئول، تضمنت أجندته إقامة جلستين، وجاءت الجلسة الأولى بعنوان: "الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة في الترجمة"، وترأستها رئيس قسم اللغة العربية بجامعة هانكوك الدكتورة يون أون كيونغ (نبيلة) ،  حيث ألقى الدكتور يحيى مفرح الزهراني عضو اللجنة العلمية بالجائزة بحثا عن: "أدوات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة في الترجمة"، تناول فيه استكشاف أدوات الذكاء الاصطناعي التي يحتاج إليها المترجمون، ومحاولة فهمها وتأثيرها، كما تحاول تقسيم تلك الأدوات وتصنيفها والتركيز على نقاط قوتها والعوامل التي قد تؤثر على عملها ومدى إمكانية استفادة المترجمين منها، كما تناول عددا من الأمثلة على تلك الأدوات مثل: القضايا الأخلاقية وملكية النص والدقة والسياق، والترجمة الآلية، والترجمة التلقائية.

وتحدثت دكتورة هي . وون بيك "ليلى بيك" من جامعة هانكوك ببحث عن: الترجمة بين الآلة والإنسان : نحو إدارة فعالة تعزز أداء المترجم، حيث هدفت الباحثة إلى وضع تصورات جديدة عن طريقة التدريس للترجمة الأدبية والإنسانية للطلاب استنادًا إلى تقنية الذكاء الاصطناعي، وتشير إلى كل التفاصيل حول الترجمة الأدبية والإنسانية الكورية – العربية.

كما تحدثت د. بثينة محمد الثويني عضو اللجنة العلمية بالجائزة في عنوان: من يملك النص المترجم؟ القضايا الأخلاقية في عصر الذكاء الاصطناعي، و رأت أن أدوات الذكاء الاصطناعي خلقت آفاقًا رحبة في ميادين الترجمة، إذ منحت فرصًا استثنائية على صعيد الكفاءة والابتكار، فهذه الأدوات قادرة على معالجة كمّ هائل من النصوص بسرعة ودقة لافتتين، بالإضافة إلى توفير دعم مباشر للمترجم وبنقرة واحدة فقط، لكن هناك تحديان في هذا المجال ، كما توضح الباحثة، هما البعدان الأخلاقي والقانوني وحقوق الملكية الفكرية، وحقوق المترجمين، ذلك لأن إساءة استخدام الترجمات المولّدة آليا يفتح الباب أمام تساؤلات أخلاقية عميقة، ويبرز الحاجة الماسة إلى إطار قانوني دولي متكامل يضمن حقوق الملكية الفكرية للمحتوى المترجم.

أما الجلسة الثانية  التي حملت عنوان: "الترجمة من اللغة العربية وإليها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي"، والتي ترأستها الدكتورة مي بنت محمد الراشد عضو اللجنة العلمية بالجائزة فقد تضمنت موضوعين الأول بعنوان: "الترجمة بين اللغة العربية واللغة الكورية"، قدمته  د. كواك سون ليه من جامعة هانكوك، حيث أوضحت أن دور النشر أصدرت في جمهورية كوريا للعام 2024م نحو 64 ألف كتاب، ما يزيد على 10 آلاف كتاب منها مترجم، ولا تتجاوز الترجمة من العربية (77) كتابا جاء منها 28 كتابا في الدين، و 11 كتابا للأطفال، و10 كتب في الأدب، و 11 كتابا في التاريخ، وتعمل دور نشر كورية على توسيع فضاءات الترجمة ما بين الكورية والعربية، مثل المعهد الكوري لترجمة الأدب، كما تعمل على الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في الترجمة.

فيما حمل الموضوع الثاني عنوان: "من التقنيات إلى القيم: استراتيجيات ومحددات الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي"ن وتحدث عنه د. محمد الديداوي رئيس قسم الترجمة العربية في الأمم المتحدة سابقا، إذ بيّن أنّ الترجمة الاصطناعية وليدة الذكاء الاصطناعي، كما أنّ اصطناع الترجمة يدخل في سياق التطور التكنولوجي المتسارع الذي يفرضه طغيان الحاسوب، ورجحان الاعتبارات الاقتصادية والتجارية، ومن المشاكل المطروحة ، فيما يرى الدكتور الديداوي، المعادلة بين الصنعة والتصنّع، مع ذلك هناك فتوحات وتطبيقات كثيرة متطورة في مضمار الترجمة.