الحكم الذاتي… خيار أوروبا الواقعي
لم يعد موقف الاتحاد الأوروبي من قضية الصحراء المغربية مجرد تكرارٍ دبلوماسي لعبارات التوازن والحذر، بل دخل، مع اختتام أشغال الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، مرحلة سياسية جديدة قوامها الوضوح والواقعية. فاعتماد موقف أوروبي موحّد يعتبر أن"حكماً ذاتياً حقيقياً قد يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق" لا يمكن قراءته كصياغة عابرة في بيان مشترك، بل كمؤشر على تحوّل نوعي في نظرة أوروبا إلى أحد أقدم النزاعات الإقليمية في جوارها الجنوبي.
اللافت في هذا التطور ليس فقط مضمونه، بل إطاره وسياقه. لأول مرة، تتبنى الدول الأعضاء السبع والعشرون موقفاً جماعياً يلتقي صراحة مع جوهر المقاربة المغربية، ويستند بشكل مباشر إلى مرجعيات مجلس الأمن، لا سيما الدعوة إلى الانخراط في مفاوضات جادة دون شروط مسبقة وعلى أساس مبادرة الحكم الذاتي. وهو ما يعني، عملياً، أن الاتحاد الأوروبي انتقل من موقع "المراقب الحذر" إلى موقع "الشريك السياسي" في الدفع نحو حل نهائي وواقعي.
هذا التحول يعكس وعياً أوروبياً متزايداً بتعقيدات النزاع وحدود الطروحات الجامدة التي أثبتت، على مدى عقود، عجزها عن إنتاج حل قابل للحياة. كما يعكس، في العمق، قناعة بأن الاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل لا يمكن فصله عن تسوية هذا الملف، وأن المغرب، بما راكمه من مصداقية سياسية ودبلوماسية، يظل الفاعل الأكثر جدية وقدرة على تقديم حل متوازن يحفظ السيادة ويمنح ساكنة الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها.
ولا يمكن فصل هذا الموقف الأوروبي عن الدينامية الدولية التي قادها العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال السنوات الأخيرة، والتي أعادت ترتيب موازين المواقف داخل المنتظم الدولي. فقرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم يكن سوى تتويجا لمسار طويل من العمل الدبلوماسي الهادئ، لكنه شكّل في الآن ذاته أرضية مرجعية جديدة دفعت فاعلين دوليين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، إلى مراجعة حساباتهم والاصطفاف خلف خيار الحكم الذاتي كحل عملي ونهائي.
كما أن ترحيب الاتحاد الأوروبي باستعداد المغرب لتوضيح كيفية تنزيل الحكم الذاتي في إطار سيادته، يحمل دلالات سياسية دقيقة. فهو اعتراف ضمني بجدية المبادرة المغربية، وبكونها مشروعاً مؤسساتياً قابلاً للتنفيذ، لا مجرد مقترح نظري للاستهلاك الدبلوماسي. وهو أيضاً رسالة إلى باقي الأطراف مفادها أن الزمن السياسي قد تغيّر، وأن منطق التعطيل لم يعد يحظى بالتفهم الدولي نفسه.
أهمية هذا الموقف تتجاوز، إذن، البعد الرمزي. فهو يفتح آفاقاً جديدة للشراكة المغربية الأوروبية، ويمنح العلاقات الثنائية دفعة سياسية في لحظة إقليمية ودولية تتسم بعدم اليقين. كما أنه يضع الاتحاد الأوروبي أمام مسؤولية مواكبة هذا التحول بمواقف أكثر انسجاماً على مستوى السياسات، سواء في ما يتعلق بالتعاون الاقتصادي أو الأمني أو بدعم التنمية في الأقاليم الجنوبية.
باختصار، ما جرى في بروكسيل ليس مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل محطة مفصلية في مسار نزاع طال أمده. محطة تؤشر على أن الواقعية السياسية بدأت تتغلب على الحسابات التقليدية، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم يعد فقط مقترح الرباط، بل أصبح، تدريجياً، خيار المجتمع الدولي الباحث عن حل ممكن، مستدام، وقابل للتنفيذ.