سياسة الرصاص الجزائرية في مواجهة القانون الدولي
في بيان أمني مقتضب، حاولت السلطات الجزائرية مرة أخرى إغلاق ملف بالغ الخطورة السياسية والحقوقية، عبر لغة عسكرية جاهزة تتحدث عن "عملية نوعية" و"القضاء على مهربين". غير أن الإعلان عن مقتل ثلاثة مواطنين مغاربة على الحدود مع ولاية بشار، بدعوى التهريب، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الوقائع الدامية المتكررة التي باتت تضع تصرفات الجزائر الحدودية في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي ومع أبسط قواعد حماية الحق في الحياة.
ما وقع في بشار لا يبدو حادثاً عرضياً أو استثناءً فرضته "الظروف المناخية"، كما حاول البيان الرسمي الإيحاء، بل يعيد إلى الواجهة سلسلة من الأحداث الدامية التي راح ضحيتها مواطنون مغاربة خلال السنوات الأخيرة.
فالمغاربة لم ينسوا بعد مقتل سائقي شاحنات مغربيين سنة 2021، إثر استهدافهما في المنطقة العازلة جنوب-شرق المملكة، في واقعة صادمة نسبت الرباط مسؤوليتها بشكل مباشر إلى الجيش الجزائري. حينها، كما اليوم، طُرحت الأسئلة نفسها: لماذا يُستعمل الرصاص الحي بدل آليات المراقبة والتوقيف؟ ولماذا يُغلَق الملف ببيانات رسمية بدل تحقيقات مستقلة؟
كما لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية حادثة إطلاق النار على مواطنين مغاربة كانوا على متن دراجات مائية (جيت سكي) في عرض البحر المتوسط، في واقعة هزّت الرأي العام المغربي والدولي، وأسفرت عن سقوط ضحايا واحتجاز آخرين، في سياق توتر غير مسبوق على الحدود البرية والبحرية. تلك الحادثة لم تكن مجرد "خطأ ميداني"، بل مؤشرا خطير على تعامل أمني متشنج يتجاوز قواعد الاشتباك القانونية ويحوّل الحدود إلى مناطق موت محتمل.
في جميع هذه الوقائع، يتكرر العنصر الأخطر نفسه: اللجوء السريع إلى القوة القاتلة ضد مدنيين.
حتى لو افترضنا، جدلاً، صحة مزاعم التهريب، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يجيز إطلاق النار بقصد القتل على مشتبه فيهم مدنيين، خارج حالات التهديد الوشيك والمباشر للحياة.
المبدأ الأساسي هو التدرج في استخدام القوة، وهو مبدأ واضح في كل المواثيق الدولية: الإنذار، المطاردة، التوقيف، ثم الإحالة على القضاء. أما مصطلحات من قبيل "القضاء عليهم"، فهي لغة حرب لا مكان لها في سياق ضبط حدود بين دولتين ليستا في حالة نزاع مسلح.
الحدود الدولية، مهما بلغ التوتر السياسي، لا تتحول قانونياً إلى مناطق استباحة.
الحق في الحياة حق غير قابل للتصرف، ولا يمكن تقييده ببلاغات عسكرية أو سرديات أمنية أحادية الطرف. القتل خارج نطاق القضاء يُصنَّف دولياً كانتهاك جسيم، يستوجب التحقيق والمساءلة، لا التبرير والتعتيم.
وما يثير القلق أكثر، هو غياب أي إعلان عن فتح تحقيق مستقل أو استعداد للتعاون القضائي أو الدبلوماسي مع الجانب المغربي. هذا الصمت لا يعكس ثقة في سلامة الإجراءات، بل يطرح شكوكا جدية حول الرغبة في طيّ الملفات بدل كشف الحقيقة.
منذ سنوات، يجري توظيف ملف "التهريب" في الخطاب الرسمي الجزائري كأداة سياسية، تُحمَّل فيها المسؤولية دائما للجار المغربي، في تغييب شبه كامل للعوامل الداخلية: الهشاشة الاقتصادية في المناطق الحدودية، تفشي اقتصاد الظل، ووجود شبكات معقدة لا يمكن تفكيكها بالرصاص.
التجارب الدولية تُظهر أن التهريب ظاهرة اجتماعية-اقتصادية تُواجَه بالتنمية والتعاون الأمني والقضائي العابر للحدود، لا بتحويل المدنيين إلى أهداف.
لا يمكن قراءة هذه الحوادث بمعزل عن السياق العام للعلاقات المغربية-الجزائرية: قطع العلاقات، إغلاق الحدود، خطاب رسمي عدائي، وشيطنة ممنهجة للمغرب في الإعلام والمؤسسات.
في مثل هذا المناخ، يصبح إطلاق النار نتيجة متوقعة، لا خطأ استثنائياً. فحين يُقدَّم "الآخر" بوصفه تهديداً دائماً، تُجرَّد إنسانيته، ويُصبح قتله قابلاً للتبرير.
إن القانون الدولي لا يسقط بالتقادم ولا يعترف بالبيانات العسكرية كبديل عن القضاء.
وإذا استمر غياب التحقيقات الشفافة، فإن هذه الملفات تظل مفتوحة أمام الآليات الدولية لحقوق الإنسان، والمنظمات الحقوقية، وكل مسارات المساءلة الممكنة.
ما وقع في بشار، وما سبقه في المنطقة العازلة وفي البحر المتوسط، ليس "حماية للسيادة"، بل تعبير عن أزمة مقاربة أمنية تختزل الدولة في الرصاص.
إن الدول التي تحترم نفسها لا تُثبت قوتها بإزهاق أرواح المدنيين، بل باحترام القانون، حتى في أكثر الملفات حساسية.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تريد السلطات الجزائرية حدوداً آمنة تُدار بالقانون والتعاون، أم حدوداً متوترة يُحكمها منطق النار؟ لأن الفرق بين الخيارين هو الفرق بين دولة قانون، وحدود تتحول شيئاً فشيئاً إلى مناطق خوف دائم.