الخزعلي يتمسك بسردية المؤامرة لتبرير بقاء الحشد
بغداد - تواجه فصائل مسلحة موالية لإيران في العراق، وعلى رأسها "عصائب أهل الحق"، موجة من القلق المتزايد على خلفية تصاعد المطالبات المحلية والدولية بنزع سلاح الميليشيات وحصر القوة بيد الدولة، خاصة بعد انتهاء التهديد الذي كان يبرر وجود هذه الجماعات، والمتمثل في تنظيم داعش.
هذه المطالبات التي لم تعد تقتصر على الفضاء المحلي، بل بدأت تأخذ طابعًا دوليًا متزايدًا، أثارت ردود فعل حادة من بعض قيادات تلك الفصائل، التي ترى في أي محاولة لتقنين أو دمج أو حتى حل "الحشد الشعبي" استهدافًا مباشرًا لمشروعها السياسي والأمني في البلاد، بل ومساسًا بوجودها ذاته.
وفي هذا السياق، خرج الأمين العام لـ"عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، بتصريحات نارية، واصفًا المطالبات الدولية المتكررة بضرورة إنهاء دور الحشد الشعبي بأنها "مؤامرة ضد الشعب العراقي"، حسب تعبيره.
واعتبر الخزعلي أن هذه الدعوات تشكل تهديدًا لما وصفه بـ"الضمان الأساسي للعراق"، مشيرًا إلى أن الضغوط الدولية لم تعد تخجل من إعلان موقفها الرافض لتشريع قانون ينظم وضع الحشد الشعبي، بل بدأت تعبر عن ذلك علنًا.
وقال الخزعلي إن "الولايات المتحدة وبريطانيا باتتا تتحدثان بشكل مباشر عن ضرورة حل أو دمج الحشد الشعبي"، متسائلًا "هل الجدل الدائر يدور حول تفاصيل التشريع القانوني؟ أم أن الهدف الحقيقي هو القضاء على الحشد الشعبي ككيان مستقل؟".
انطلقت فكرة تأسيس الحشد الشعبي في 2014 كقوة رديفة للجيش العراقي لمواجهة التوسع السريع لتنظيم داعش، الذي سيطر حينها على مساحات واسعة من البلاد. لكن بعد الهزيمة العسكرية لداعش، والتي أعلن عنها رسميًا أواخر 2017، بدأت التساؤلات تتصاعد حول الجدوى من استمرار وجود هذا الكيان المسلح، الذي بات يتمتع بقدرات عسكرية واقتصادية ونفوذ سياسي يفوق في بعض الأحيان سلطة الدولة نفسها.
وتواجه الحكومة العراقية اليوم تحديًا مزدوجًا: من جهة، تحاول الحفاظ على توازن دقيق في الداخل العراقي، حيث توجد قوى سياسية عديدة مرتبطة مباشرة بفصائل الحشد، ومن جهة أخرى، تتعرض لضغوط متزايدة من دول غربية تطالب بتقليص نفوذ الفصائل المسلحة غير الخاضعة لقيادة المؤسسة العسكرية الرسمية، وتصف استمرار وجودها بأنه مظهر من مظاهر ضعف الدولة.
وفي الوقت الذي يتصاعد فيه الجدل، يعيش مجلس النواب العراقي حالة شلل تشريعي منذ بداية الشهر الجاري، بعد خلاف علني بين رئيسه محمود المشهداني ونائبه محسن المندلاوي خلال جلسة 5 أغسطس، حول شرعية إدارة الجلسات. هذه الأزمة أدت إلى تعطيل مناقشة عدد من القوانين المفصلية، وفي مقدمتها قانون الحشد الشعبي.
ويُنظر إلى هذا القانون، من قبل القوى المؤيدة للحشد، كوسيلة لحمايته قانونيًا من أي محاولات للدمج أو الحل. لكن خصومهم يرون أن هذا التشريع – إن أُقرّ بصيغته الحالية – سيُكرّس ازدواجية السلطة العسكرية، ويُعيق أي مشروع لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس موحدة.
وفي حديثه، ألمح الخزعلي إلى أن توقيت هذه المطالبات ليس بريئًا، خصوصًا مع دخول البلاد في مرحلة الاستعداد للانتخابات البرلمانية، وهو ما قد يعكس – برأيه – محاولة للتأثير على موازين القوى السياسية.
كما شن هجومًا لاذعًا على السفير البريطاني في بغداد، واعتبر أن تصريحاته بشأن انتفاء الحاجة إلى الحشد بعد هزيمة داعش تمثل تدخلاً مرفوضًا في الشأن العراقي.
وتساءل الخزعلي بسخرية "هذا السفير يتحدث وكأن الحشد تابع لدولته، في حين أنهم لا يدفعون رواتبه، ولا يملكون حق التدخل في مصيره".
لا يملكون حق التدخل في مصيره
وتخشى بعض الدوائر الدبلوماسية الغربية أن يؤدي الإصرار على تفكيك الحشد الشعبي إلى توترات داخلية قد تصل إلى مواجهات مسلحة بين الفصائل والدولة، خاصة أن بعض تلك الجماعات سبق أن دخلت في صدام مباشر مع القوات الحكومية في فترات سابقة، أو وجهت تهديدات صريحة لرئيس الحكومة.
ورغم أن القوى الدولية، وفي مقدمتها واشنطن ولندن، تؤكد دعمها لاستقرار العراق، إلا أنها ترى أن هذا الاستقرار لا يمكن تحقيقه في ظل وجود سلاح خارج سيطرة الدولة.
ويبقى مستقبل الحشد الشعبي معلقًا بين تجاذبات السياسة المحلية والتوازنات الإقليمية والدولية. وبينما تصر فصائل مسلحة موالية لإيران على أن وجود الحشد ضرورة وطنية، تصر قوى محلية ودولية على أنه يمثل عائقًا أمام بناء دولة مؤسسات حقيقية.
وفي ظل غياب توافق سياسي داخلي، وتزايد الضغوط الخارجية، تظل الحكومة العراقية في موقف لا تحسد عليه: فهي مطالبة بإرضاء الداخل، والتعامل بحكمة مع الخارج، دون أن تمتلك حتى الآن الأدوات الكافية لحسم هذا الملف المعقد.