الدار البيضاء على سكة المستقبل: رؤية ملكية لإعادة صياغة المدينة الكبرى
حينما أشرف الملك محمد السادس على إعطاء انطلاقة مشاريع سككية كبرى بالدار البيضاء بقيمة تناهز 20 مليار درهم، لم يكن الأمر مجرد تدشين تقني لبنية تحتية جديدة، بل كان في عمقه إعلاناً عن انتقال حضري واقتصادي جديد، يضع العاصمة الاقتصادية للمملكة على سكة المستقبل، ضمن برنامج شامل يناهز 96 مليار درهم. خلف الأرقام والخرائط تكمن رؤية متكاملة: إعادة صياغة علاقة المواطن بالمدينة، وإعادة تموقع المغرب كقوة إقليمية في مجالات الصناعة والنقل والابتكار.
أولاً: منطق النقلة النوعية بدل التدبير الترقيعي
الدار البيضاء، المدينة التي تختزل تناقضات المغرب الحديث، لم تعد تحتمل حلولاً جزئية لمسألة التنقل الحضري. فشبكات النقل التقليدية وصلت حدها الأقصى أمام ضغط ديموغرافي واقتصادي متزايد. لذلك، جاء المشروع الجديد ليقطع مع منطق التدبير الترقيعي وليؤسس لنقلة نوعية، حيث تتحول شبكة السكك الحديدية إلى شريان حضري متكامل يربط بين مختلف الأقطاب الاقتصادية والسكنية.
إن إنشاء ثلاث محطات رئيسية من الجيل الجديد، مثل محطة "الدار البيضاء-الجنوب"، ليس مجرد إضافة هندسية، بل هو تصور جديد للمدينة كمنظومة معقدة تحتاج إلى حلول مترابطة: قطار فائق السرعة، قطارات القرب، الترامواي، الحافلات، وسيارات الأجرة، في قطب واحد متعدد الوسائط.
ثانياً: الرهان الصناعي والسيادة الوطنية
لا تقف المشاريع عند حدود النقل، فاختيار شركة "هيونداي روتيم" لتزويد المغرب بـ48 قطاراً جديداً ترافقه رؤية أبعد: إنشاء مصنع بالمغرب، بما يعني نقل الخبرة وبناء قاعدة صناعية سككية وطنية.
هذا التحول يحمل ثلاثة رهانات أساسية:
نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، بما يجعل المغرب يتجاوز دور المستورد إلى دور المنتج والمصدر.
خلق فرص عمل عالية القيمة داخل منظومة صناعية جديدة، تدعم الاقتصاد الوطني وتفتح آفاقاً للشباب والمهندسين.
تعزيز السيادة الوطنية في مجال استراتيجي، حيث تصبح المملكة أقل تبعية للخارج وأكثر قدرة على تلبية احتياجاتها داخلياً.
هنا، تتحول السكة إلى ما يشبه "مختبراً صناعياً" يدمج بين الاستثمار في البنية التحتية والتنمية الاقتصادية بعيدة المدى.
ثالثاً: الأثر البيئي ورهانات الاستدامة
لا يخفى أن المغرب، تحت قيادة الملك محمد السادس، جعل من التحول الأخضر ركيزة لسياساته العمومية. مشاريع النقل السككي بالدار البيضاء تأتي لتترجم هذا الالتزام: نقل جماعي منخفض الكربون، تقليص انبعاثات الغازات، تخفيف الضغط على السيارات الخاصة، والمساهمة في تحسين جودة الحياة الحضرية.
قطارات القرب، التي ستنقل ما يفوق 150 ألف مسافر يومياً بحلول 2030، ليست مجرد وسيلة عملية، بل هي جزء من استراتيجية المغرب لتحقيق أهدافه المناخية وتعزيز مكانته كفاعل عالمي ملتزم بالتحول البيئي.
رابعاً: إعادة هندسة المجال الحضري
المحطات الكبرى من الجيل الجديد، مثل محطة "الدار البيضاء-الجنوب" أو محطة مطار محمد الخامس، ليست محطات عبور فقط، بل أقطاب حضرية ديناميكية ستعيد توزيع الجاذبية الاقتصادية وتفتح المجال لولادة أحياء جديدة للأعمال والخدمات.
هكذا تتحول البنية التحتية إلى رافعة لتأهيل حضري، تعيد رسم الخريطة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، وتضمن اندماجاً أوثق بين مكوناتها.
خامساً: الرسالة السياسية والاقتصادية
لا يمكن فصل هذه الأوراش عن بعدها الرمزي والسياسي. إشراف الملك شخصياً على إطلاق هذه المشاريع يرسل رسائل قوية:
للمواطن: أن تحسين جودة الحياة والتنقل اليومي يدخل في صلب الأولويات الملكية.
للاقتصاد الوطني: أن المغرب يستثمر في المستقبل، لا في حلول مؤقتة.
للمستثمرين الدوليين: أن المملكة توفر بيئة متقدمة، تجمع بين الاستقرار السياسي، الرؤية الاستراتيجية، والبنية التحتية الحديثة.
نحو أفق 2030: مدينة جديدة وهوية جديدة
إذا كانت الدار البيضاء اليوم مختبراً لمشاريع سككية ضخمة، فإنها في العمق مختبر لمغرب الغد. فالرهان لا يتعلق فقط بسرعة القطارات أو سعة المحطات، بل بقدرة المملكة على جعل بنياتها التحتية رافعة للتحول الاقتصادي والاجتماعي والصناعي.
بعبارة أخرى، نحن أمام مشروع حضاري تتقاطع فيه أربعة أبعاد كبرى:
اقتصادي: عبر خلق القيمة المضافة وفرص العمل.
اجتماعي: من خلال تحسين حياة المواطنين وضمان العدالة في التنقل.
صناعي: عبر بناء قاعدة إنتاج وطنية في مجال السكك الحديدية.
بيئي: بترسيخ النقل المستدام كخيار لا رجعة فيه.
إنها ليست مجرد سكك حديدية جديدة، بل هي سكة سياسية ورمزية تؤكد أن المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، يتجه بثبات نحو 2030، واضعاً المواطن في قلب التنمية، ومُمكِّناً مدنه الكبرى من أن تتحول إلى فضاءات حديثة تضاهي كبريات العواصم العالمية.