الدبلوماسية البرلمانية المغربية في خدمة السلم والتنمية

رئيس مجلس المستشارين المغربي يسلط الضوء، خلال مؤتمر رؤساء البرلمانات بإسلام آباد، على الرؤية الاستراتيجية للملك محمد السادس التي جعلت من الأمن الإنساني ركيزة أساسية للسياسات العمومية.

الرباط - في الوقت الذي يعيش فيه العالم على وقع أزمات متلاحقة وتحديات عابرة للحدود، يواصل المغرب ترسيخ حضوره كفاعل متوازن ومسؤول في المحافل الدولية. وقد شكّل المؤتمر الافتتاحي للدورة الأولى لرؤساء البرلمانات الدولي المنعقد يوم الثلاثاء 11 نوفمبر/تشرين الثاني بالعاصمة الباكستانية إسلام آباد، مناسبة جديدة لتجديد هذا الحضور النوعي، من خلال مشاركة وفد مغربي رفيع المستوى برئاسة محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، وعضوية كل من أحمد اخشيشن، ولحسن حداد، وعبدالرحمن وافا، إلى جانب السفير المغربي بباكستان محمد كرمون، والأمين العام لمجلس المستشارين الأسد الزروالي، ومدير العلاقات الخارجية والتواصل سعد غازي.

رؤية ملكية للسلم والأمن الإنساني

في كلمته أمام المشاركين، قدّم محمد ولد الرشيد قراءة متكاملة للتجربة المغربية في بناء الأمن والسلم، مستحضرا الرؤية الاستراتيجية للعاهل المغربي الملك محمد السادس التي جعلت من الأمن الإنساني ركيزة أساسية للسياسات العمومية. فالمغرب، كما شدد رئيس مجلس المستشارين، لا ينظر إلى الأمن بمنظور ضيق يقتصر على البعد العسكري أو السياسي، بل يتعامل معه في شموليته الروحية والاجتماعية والبيئية والغذائية والصحية، باعتباره شرطاً لتحقيق تنمية مستدامة وكرامة إنسانية.

من الأمن إلى التنمية: مقاربة مغربية متكاملة

ولأن التنمية الحقيقية لا تزدهر في مناخ من التوتر، فقد ربط ولد الرشيد بين الأمن الشامل والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، مشيراً إلى أن المغرب راكم تجربة متميزة في هذا المجال بفضل إصلاحاته الداخلية ومشاريعه الهيكلية الكبرى. كما أبرز أن المملكة تبنت رؤية استباقية تقوم على التلازم بين التنمية والأمن والتعاون الدولي، وهو ما جعلها شريكاً موثوقاً وفاعلاً استراتيجياً في دعم الاستقرار الإقليمي والعالمي.

مبادرات ملكية تعيد رسم ملامح التعاون الإفريقي

واستعرض ولد الرشيد أمام المشاركين سلسلة من المبادرات الملكية التي تُجسد هذا التصور المتكامل، منها المبادرة الأطلسية لفائدة دول الساحل التي ترمي إلى تمكين هذه المنطقة من الولوج إلى المحيط، ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا - المغرب كأحد أضخم المشاريع القارية في مجال الطاقة والتكامل الاقتصادي، إضافة إلى المبادرة الإفريقية لتكييف الزراعة مع التغيرات المناخية، والمرصد الإفريقي للهجرة بالرباط، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات الذي أصبح مرجعاً عالمياً في محاربة التطرف وتعزيز قيم الاعتدال.

دبلوماسية برلمانية بمضمون إنساني

ولم تقتصر مداخلة رئيس مجلس المستشارين على عرض التجربة المغربية، بل كانت دعوة صريحة إلى تعزيز دور البرلمانات في بناء جسور الثقة والتعاون بين الأمم. فالمؤسسات التشريعية، كما قال، مطالبة اليوم بأداء دور محوري في دعم الحوار الدولي وترسيخ ثقافة السلم والتعايش، في عالم يتزايد فيه منسوب الانقسام والصراعات.

وأكد ولد الرشيد أن البرلمان المغربي، انسجاماً مع الرؤية الملكية المتبصرة، يضع في صميم عمله الدبلوماسي مبادئ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وحل النزاعات بالطرق السلمية، وتغليب منطق التعاون على منطق الصدام.

السلام والأمن والتنمية: ثلاثية لا تنفصل

واختتم المسؤول البرلماني المغربي مداخلته بالتأكيد على أن موضوع المؤتمر حول "السلام والأمن والتنمية" ليس مجرد شعار بل هو حقيقة موضوعية، إذ لا يمكن بناء تنمية مستدامة دون أمن، ولا يمكن ترسيخ أمن حقيقي دون عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية. وهي معادلة أثبت المغرب قدرتَه على تجسيدها ميدانياً، ما جعله نموذجاً لدولة تزاوج بين الواقعية السياسية والالتزام الإنساني.

بهذا الحضور المعبّر، أعاد المغرب التأكيد من جديد على أن دبلوماسيته البرلمانية ليست مجرد امتداد لسياساته الخارجية، بل هي أحد أوجه قوته الهادئة التي تجمع بين الرؤية الملكية، والفاعلية المؤسسية، والمسؤولية الإقليمية والدولية.