الدراما التونسية تختصر المسافة بين الفن والجمهور في رمضان
تونس ـ في منعطف لافت يعكس تحوّلاً حقيقياً في فلسفة الإنتاج التلفزيوني، تدخل الدراما التونسية موسم رمضان 2026 برؤية مختلفة تراهن على الكثافة بدل الإطالة، وعلى الجودة بدل الاستهلاك اليومي السريع.
وأعلنت التلفزة التونسية عن إنتاج أربعة أعمال درامية جديدة، غالبيتها من عشر حلقات فقط، في خطوة تُعدّ جريئة قياساً بالتقاليد الرمضانية التي اعتادت المسلسلات الطويلة ذات الثلاثين حلقة، وما يرافقها أحياناً من حشو واستطراد يضعف الأثر الفني.
إن اعتماد صيغة العشر حلقات يعكس وعياً متزايداً بأن المشاهد الرمضاني المعاصر لم يعد متفرغاً كما في السابق، ولم يعد يتسامح مع التمديد المجاني أو الشخصيات التي تدور في حلقة مفرغة.
ويفرض هذا التحول تحديات دقيقة على صنّاع الدراما، إذ يصبح كل مشهد محسوباً، وكل حوار مطالباً بأن يؤدي وظيفة درامية واضحة، وكل شخصية مطالبة بأن تتطور ضمن مسار محدد لا يحتمل الترهل.
ويتصدر مسلسل "أركان حرب" قائمة الأعمال المنتظرة، باعتباره أضخم إنتاج درامي للموسم، رغم أنه يشكّل استثناءً نسبياً من حيث عدد الحلقات، إذ يمتد على 15 حلقة، وهو مستوحى من أحداث بن قردان، التي شكّلت محطة مفصلية في الذاكرة التونسية الحديثة، حين وجدت مدينة بأكملها نفسها في مواجهة حدث أمني استثنائي، ترك بصمته العميقة على الوعي الجمعي.
المسلسل من إخراج ربيع التكالي، ونص الكاتب والأديب عمار بوجبلي، الذي اختار الابتعاد عن الخطاب التقريري أو البطولي المباشر، لصالح مقاربة إنسانية تضع الفرد في قلب الحدث. لا يكتفي النص بسرد الوقائع، بل يغوص في المشاعر والهواجس والخيارات المصيرية التي فرضتها تلك اللحظة. أمّ تنتظر عودة ابنها، شاب يواجه الخوف لأول مرة في مدينة عادية تتحول فجأة إلى جبهة.
هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يمنح العمل ثقله الدرامي، ويخرجه من إطار الاستعادة التاريخية الباردة إلى مساحة التأمل في معنى الانتماء والوفاء والتضحية.
ويراهن "أركان حرب" على لغة بصرية قريبة من السينما، مع اعتماد إيقاع مشدود يوازن بين مشاهد التوتر والمواجهة، واللقطات الحميمة التي تكشف هشاشة الإنسان في لحظات الاختبار القصوى وهو رهان صعب، لكنه قد يمنح العمل فرادته إذا ما أُحسن تنفيذه.
أما مسلسل "الحق" المكون من 10 حلقات، فيثير اهتماماً خاصاً ليس فقط بسبب موضوعه المرتبط بالعدالة والقانون، بل لأن آمنة النجار تتولى فيه الكتابة والإخراج والإنتاج في آن واحد.
هذا النموذج، الذي أصبح أكثر حضوراً في السنوات الأخيرة، يمنح صاحبه وحدة رؤية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام تحديات كبيرة، أبرزها خطر الانغلاق داخل زاوية واحدة أو غياب المسافة النقدية.
كتابة المخرج لنصه تمنحه حرية أكبر في تنفيذ رؤيته الفنية، لكنه قد يقع أحياناً في فخ تفضيل الصورة على تعقيد الشخصيات، أو الخطاب على الدراما. ونجاح "الحق" سيتوقف إلى حد بعيد على قدرة آمنة النجار على تحقيق توازن دقيق بين الطرح الفكري والبناء الدرامي، خاصة مع مشاركة ممثلين ذوي ثقل مثل وحيدة الدريدي ولسعد بن عبدالله، ما يرفع سقف التوقعات ويجعل العمل تحت مجهر النقد منذ حلقاته الأولى.
في السياق الاجتماعي، يأتي مسلسل "حياة" (10 حلقات)، من قصة وسيناريو وحوار خولة حسني وإخراج قيس الماجري، ليغوص في الدراما الإنسانية اليومية، وهي منطقة مألوفة للجمهور التونسي، لكنها تبقى محفوفة بخطر التكرار إذا لم تُقدَّم بمعالجة مختلفة.
ويبدو قصر عدد الحلقات نقطة قوة حقيقية، إذ يسمح ببناء شخصيات مركّزة، ومسار درامي واضح، بعيداً عن الاستطرادات الجانبية التي أضعفت كثيراً من الأعمال الاجتماعية في السنوات الماضية.
وفقط الرهان في "حياة" على الموضوع، وعلى طريقة تناوله: في الحساسية، والاقتصاد في الخطاب، والقدرة على خلق تعاطف حقيقي مع الشخصيات دون الوقوع في الوعظ أو الميلودراما الزائدة.
ويضيف مسلسل "المطبعة" (10 حلقات) من إخراج مهدي الهميلي، بعداً مختلفاً إلى خارطة الموسم، عبر الغوص في عالم الصحافة والإعلام وصناعة الرأي العام. وهو موضوع شائك وحسّاس، يفتح الباب أمام نقد اجتماعي وسياسي عميق، خاصة في زمن تتداخل فيه الحقيقة مع المصالح، وتختلط فيه المعلومة بالشائعة.
وسيكون نجاح هذا العمل مرهوناً بقدرته على تقديم شخصيات مركّبة تعكس تناقضات المهنة وضغوطها، بعيداً عن التبسيط أو التصنيف الأخلاقي السهل. الإعلام هنا ليس بطلاً ولا شريراً مطلقاً، بل فضاء معقد تتصارع داخله القيم والمصالح.
ولا تغيب الكوميديا عن المشهد الرمضاني، باعتبارها أحد أهم أسلحة التلفزة التونسية لاستعادة البهجة والانتشار، إذ يجري التحضير لثلاثة سيتكومات جديدة، في محاولة لإعادة الروح إلى هذا اللون الذي عرف نجاحات لافتة في السابق.
أول هذه الأعمال هو "السكرتيرة" من تأليف وجيهة الجندوبي، وتدور أحداثه داخل مكتب حكومي، حيث تتحول البيروقراطية اليومية إلى مادة للسخرية الذكية. أما العمل الثاني، فتقوده سامية عمامي في سيتكوم عائلي يستلهم مواقف من الحياة اليومية، جامعاً بين الطرافة والرسائل الاجتماعية. فيما يأتي العمل الثالث من توقيع محمد علي الشريف، بمزيج من السخرية الاجتماعية والموسيقى، مستلهماً شخصيات من الحياة الشعبية التونسية.
وستُعرض هذه الأعمال على القناتين الوطنيتين الأولى والثانية، في محاولة لتوسيع قاعدة المشاهدين، واستعادة الوهج المفقود للإنتاج المحلي، في مواجهة المنافسة الشرسة من القنوات الخاصة والمنصات الرقمية.
وتسعى التلفزة التونسية من خلال هذه المشاريع إلى استعادة ثقة المشاهد، وإعادة الاعتبار للدراما الوطنية بوصفها مرآة للواقع والهوية. ورغم الطموح الواضح، تبقى هذه الاستراتيجية محفوفة بالتحديات، من ضيق الوقت الإنتاجي، إلى جرأة النصوص، مروراً بقدرة المخرجين على استثمار القالب القصير دون التضحية بالعمق والتعقيد.
وسيكون رمضان 2026 موسماً مفصلياً للدراما التونسية، واختباراً حقيقياً لقدرتها على التجدد ومغادرة منطقة الأمان. أربعة أعمال درامية، مقاربات مختلفة، ورهان واحد: أن تعود الدراما التونسية قوية، صادقة، وقادرة على استعادة مكانتها في وجدان المشاهد.