الدفاع عن المقدسات ينطلق من تجفيف منابع التطرف

المؤسسات الدينية انخرطت في حملة التجييش والتحريض على الجهات التي نشرت الرسوم المسيئة للنبي محمد عوض التعريف بتسامح الإسلام لدى المجتمعات الغربية وازالة سوء التفاهم.


المؤسسات الدينية انخرطت في حملة التجييش بالتوازي مع المتشددين حتى لا تتعرض لموجة غضب من قبل العامة


موقف المؤسسات الدينية مبني على اطروحات متشددة لابن تيمية وغيره من الائمة

القاهرة - تجد المؤسسات الدينية في العالمين العربي والإسلامي نفسها امام مفترق طرق على خلفية الخطاب المتطرف الذي طفا على السطح عقب نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد في فرنسا وما تبعها من عمليات إرهابية.
ومع عودة الهدوء بعد موجة غضب لا عقلانية من قبل بعض من تصدر المشهد الديني دون علم بات واضحا حجم الخطاب المتشدد ليس فقط لدى العامة من المسلمين ولكن لدى عدد من الأئمة والمشائخ ممن هم ينتمون الى المؤسسات الدينية الرسمية.
وتصدر خطاب القتل والتحريض على الكراهية ضد أصحاب الرسوم المسيئة على الخطاب العقلاني حيث شهدنا فتاوي تحرض على قتل كل من يسيء الى النبي محمد بل وتم التأصيل لذلك شرعا.
لكن ما أثار الانتباه في كل ذلك هو صمت المؤسسات الدينية الرسمية عن فتاوي التحريض بل والرضا عنها في بعض الأحيان ودعمها في أحيان أخرى.
ورغم ان وزارة الأوقاف المصرية وقعت عقوبة إدارية على أحد خطباء المساجد بوقفه عن العمل، بعدما أفتى بإباحة سفك دماء المتطاولين على الإسلام، لكن في الأزهر ظهرت أصوات مماثلة تتحدث بنفس النبرة، دون اتخاذ موقف حاسم ضد أصحابها.
وافتى الشيخ سامي السرساوي المنتمي لمؤسسة الأزهر مؤخرا بقتل كل من يسيء للنبي في أي مكان ودون أخذ إذن من أحد، واتبعه في ذاك  الداعية أحمد عشوش الذي أباح سفك دماء المسيء وإن تاب وندم على ما فعل.
فكر مبني على التكفير
والمشائخ المؤيدون للتطرف لا ينطقون "عن هوى" وانما يتبعون اسلافهم من رجال الدين الذين اصلوا التكفير في مراجع وكتب لا تزال تدرس الى اليوم في المدارس الدينية بعلم من المؤسسات الدينية والوزارات التي تشرف عليها.
والمتطرفون يبنون منهجهم ودعوتهم للقتل على فتوى ابن تيمية التي قال فيها "إن سب الله أو رسوله ظاهرا وباطنا كفر، وسواء أكان المتهم بالسب يعتقد أن ذلك محرم، أو مستحلا له، أو ذاهلا عن اعتقاده"، وايده في ذلك ابن حنبل حيث قال ان "من شتم النبي قُتل".
وعوض ان تقوم المؤسسات الدينية بحماية المقدسات من الاساءة عبر رفض فتاوي القتل تؤيد او تصمت على دعاة التكفير فيتأكد لدى عامة المسلمون وغير المسلمين ان الدين الاسلامي يحرض على القتل وسفك الدماء لمجرد نشر صور مسيئة.
ولم تقتنع مؤسسات دينية عديدة بأن مواجهة الإساءة للمقدسات تبدأ بوقف فتاوى قتل المسيئين بدلا من تجييش المسلمين وتحريضهم على الكراهية، وقبل المطالبة بمحاسبة المتجاوزين في حق العقائد السماوية وأنبيائها تكون هناك وقفة حاسمة ضد من يصدرون الخطاب الديني التحريضي الذي يستهدف ضعاف النفوس.
وعوض ان تعمل المؤسسات الدينية على دحض مقولات المتطرفين وتواجهها بخطاب ديني متسامح وعقلاني يبرئ الاسلام من تهم الصقت به زيفا تمت إدارة دفة الهجوم على أصحاب الرسوم ونعتهم بالتطرف الفكري دون البحث وراء خلفيات مواقفهم ولماذا يؤمنون بشرعية الإساءة للنبي.
وتشير ردود فعل المؤسسات الدينية كالازهر الشريف انه يستغل حالة التجييش والغضب لكسب مزيد من التاييد عبر تخصيص منابر إعلامية لمشائخ لهم في التطرف باع طويل لتوجيه أصناف التحريض والتهديد ضد كل من ينشر الرسوم او يعيد نشرها.
وكان أولى بتلك المؤسسات الدينية ان تحارب الرسوم برسوم اخرى تعرف بالإسلام الحقيقي المبني على التسامح وتقبل الآخر مهما كان الاختلاف لانه في النهاية الانسانية تجمع المختلفين في الآراء والديانات ولا يجوز سفك الدماء لمجرد رسوم مهما كانت قبيحة او مستفزة.
وفي هذا الصدد قال الباحث في شؤون الإسلام السياسي، أن صدور فتاوى تبيح قتل المسيئين للمقدسات أخطر على الإسلام من تنظيم داعش الإرهابي، لأن الأخير يمنح فرصة الاستتابة لمن يختلفون معه فكريا قبل أن يتخذ قرارا بسفك دمائهم، أما أصحاب الفتاوى فإنهم أصدروا أمرا قاطعا بالقتل، فأي إساءة لصورة الدين أكثر من ذلك.
وتابع في تصريح لصحيفة العرب " أن التصعيد المتكرر ضد الرسوم المسيئة لا يخدم سوى المتطرفين ودعاة التكفير، والمشكلة أن هناك مؤسسات تعمل لصالح خطابهم بشكل غير مباشر، لأن التركيز على اتخاذ مواقف حاسمة بعيدة عن أساس المشكلة يغذي الكراهية والعنف.
واوضح أن “الإساءة للمقدسات لن تنتهي، بل موجودة منذ العقد الماضي، وفي كل مرة يتم استغلالها من متشددين، للترويج لخطابهم التحريضي، لكن المعضلة الحقيقة تكمن في الإجابة عن السؤال الأهم: ماذا فعلت المؤسسات الدينية لوقف توظيف تشويه المقدسات؟”.
والاخطر من كل هذا ان المؤسسات الدينية لم تعمل على وضع اسس ومعايير لمفهوم الاساءة والتطاول على المقدسات حيث استغل هذا الشعار من قبل متشددين للتخلص من المختلفين في الفكر والراي او الذين يحملون افكارا تقدمية.
وتجاهلت المؤسسات الدينية وضع ميثاق شرف يحدد معنى الإساءة وأشكالها ومستوياتها، ما يعطي الفرصة على طبق من ذهب للمتشددين، لاستثمار كل كلمة أو تصرف يخالف قناعاتهم لتصديرها إلى الرأي العام على أنها مهينة للمقدسات.
التسامح دواء للتطرف

لا يمكن اقناع الغرب بسماحة الاسلام بخطاب متطرف شرع للقتل
لا يمكن اقناع الغرب بسماحة الاسلام بخطاب متطرف شرع للقتل

يعمل العقلانيون وأصحاب الفكر التنويري على الدفاع عن قيم الإسلام المتسامحة اكثر من المشائخ والمؤسسات الدينية التي تدعي ذلك حيث يدعون الى تكثيف الحوار مع الاطراف المسيئة والرد عليها بطرق عقلانية  لأن الصدام لن يجني سوى المزيد من تشويه الصورة لكل ما هو مقدس.
ويقول أصحاب هذا الراي " أن الدين الإسلامي تأسس على التسامح والحوار، وأيّ رد فعل عكس ذلك يكرس الصورة الذهنية الخاطئة عن العقيدة، بأنها تحض على الكراهية والعنصرية والانتقام والترهيب ضد كل من يختلف معها، وإذا تحقق الحوار، فإن الفتاوى التكفيرية ضد المسيئين لن تكون لها قيمة أو تأثير.
وفي هذا الصدد تسائل البحيري "لماذا لم يطلب أحمد الطيب شيخ الأزهر نشر مقالة رأي في الصحف المتهمة بالإساءة للنبي، ليظهر الوجه الحقيقي للإسلام في نفس المنبر الإعلامي الذي تعرض للمقدسات برأي يجافي الحقيقة، ويخاطب المجتمع الأوروبي بأن هذا الدين تأسس على المحبة والسلام والتسامح، بدليل أن نفس الصحيفة التي أساءت، هي ذاتها التي نخاطب الناس من خلالها".

لماذا لم يطلب أحمد الطيب شيخ الأزهر نشر مقالة رأي في الصحف المتهمة بالإساءة للنبي

هذا التساؤل كشف ان المؤسسات الدينية تلجا دائما لمخاطبة الشعوب وعامة المسلمين الذين تم تجييشهم في حين ان الخطاب يجب او يوجه للطرف الاخر وهم المسيئون للمقدسات حيث يرى كثيرون أن مخاطبة المجتمعات الأوروبية بنفس طريقة تفكيرها أحد أهم أدوات تحسين صورة الإسلام ومقدساته.
ويتسائل اصحاب الفكر التنويري "لماذا لم يطلب الأزهر نشر كاريكاتير يدافع عن الإسلام والمسيحية واليهودية، كدليل على سماحة هذه العقيدة، وبالتالي يكسب تعاطف باقي الديانات عوض على شحن مشاعر الغضب".
على المؤسسات الدينية التي تريد ان تحسن صورة الإسلام في الغرب ان تترك الامر للجماعات المتطرفة وعلى راسها تنظيم الإخوان الذي استغل الاجيال المسلمة في اوروبا طيلة عقود لبث افكاره الهدامة والاساءة للدين حيث افاد شوقي علام مفتي الديار المصرية، انه نتيجة لتلك الافكار فان خمسة في المئة من شباب المسلمين في أوروبا ينتمون فكريا إلى تنظيم داعش.
وللأسف الشديد تجاهل الأزهر دوره حيال المتطرفين فلم يرسل مبعوثين من علمائه ليعرفّوهم صحيح الإسلام، ويحصنوهم من الوقوع في فخ الفتاوى التكفيرية التي شرعنت الإساءة للدين في بلادهم فيحين قام الاخوان ومن لف لفهم من التنظيمات المتطرفة باستغلال الجاليات المسلمة لتعليمهم الفكر المنغلق.
وفي هذا الصدد قال أحمد زغلول، الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، أن ترك الساحة للتيارات المتطرفة تستغل موجة الغضب ضد الإساءة للمقدسات، جعل البعض يتعامل معها باعتبارها الحامية للدين، والوحيدة التي لديها شجاعة المواجهة أمام تخاذل الأنظمة الحاكمة.
وأضاف لصحيفة العرب "أن المزايدات الدينية والسياسية التي تحدث كلما طفت على السطح أزمة الإساءة للمقدسات لا تخدم سوى دعاة الفكر المنحرف، الذين يستغلون كل فرصة يمكن من خلالها تأجيج وحشد الناس، لتشتبك وتروج لنفسها، وعندما يكون هناك خطاب رسمي مماثل لنفس خطابها يتم استثمار التصعيد لجني مكاسب سياسية."
وتجد المؤسسات الدينية نفسها امام مزايدات من قبل التيارات المتطرفة المختلفة سواء التيارات الاخوانية او السلفية وهو ما يجعلها في موقف بالغ الحساسية، فهي لو خرجت للطعن في الفتوى سوف تتعرض لموجة غضب غير محسوبة، فتضطرر إلى الصمت، وهذه إشكالية جهات الإفتاء عموما، أنها تتعامل بمبدأ إمساك العصا من المنتصف وقت الأزمات التي تستدعي منها التحلي بشجاعة استثنائية.
وعموما لا يمكن مواجهة خطاب المتطرفين الا بخطاب شجاع قادر على تحمل تبعات الاطروحات في هذا المجال بغض النظر عن التداعيات وردود الافعال ويبدو ان هذا الخطاب لا يزال بعيد المنال لدى المؤسسات الدينية الرسمية.