الرواية ذمتها واسعة وتبتلع كل شيء

صلاح فضل يرى أنه لا بد أن نتوافق على المصالحة بين الرواية وبقية الفنون، حتى لا تتوحش ولا تستبد.


أحمد درويش يرى أن إبراهيم أحمد عيسى استطاع أن يوظف عناصر الرواية التاريخية توظيفا بارعا في "باري أنشودة سودان"


فيصل دراج: الرواية تتوسل المعارف على موائد مختلفة


بثينة خضر مكي توضح أن تطور السرد الأدبي بشقيه المحكي والمكتوب يمثل مسارا مهما في الآداب والفنون


نعيش عصر التواصل الجمالي بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية


الحياة شديدة التقلب والخصوبة، وتمثيلاتها أكثر مرونة منها


الرواية دخلت عصر المعلومات، فأصابته بالتوتر والعنف

قال الناقد الدكتور صلاح فضل في افتتاحية الجلسة العلمية الأولى لملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي "الرواية في عصر المعلومات": إن الرواية هي التمثيل الجمالي للحياة، وهذه الحياة شديدة التقلب والخصوبة، وتمثيلاتها أكثر مرونة منها، وهناك ما يعرف بشعرية الرواية وهناك أيضا العناصر السردية للشعر.
وأكد أننا نعيش عصر التواصل الجمالي بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وهي السمة البينية لهذا العصر، ورأى أن الرواية تؤكد هذا التواصل مع الفنون، وتعطي التشكيل عناصره السردية، ولا بد أن نتوافق على المصالحة بين الرواية وبقية الفنون حتى لا تتوحش ولا تستبد، وتبتلع كل شيء، فالرواية ذمتها واسعة، وهي الآن أم الفنون، وفيها شبق شديد جدا، وتعطش كبير جدا لهذا الابتلاع. وهي تجسد الحرية والجمال.
ويؤكد صلاح فضل على أن المعلومات طغت على حياتنا المعاصرة، وأن الرواية دخلت عصر المعلومات، فأصابته بالتوتر والعنف، فهناك المعلومات الأسطورية والمعلومات العلمية، والمعلومات الاجتماعية. وأوضح أن الرواية الرقمية تهدد الرواية التقليدية والتجريبية، لكنها لا تبتلع الروايات الأخرى لأن قواها الجمهور الرقمي، الذي يعرف ولا يعرف.
وتساءل الناقد د. صلاح فضل هل عصر الرواية الرقمية يؤذن بموت النقاد؟ وهو يرى أن على الرواية الرقمية أن تفرز نقادها، فالاستجابات واللايكات للجمهور وحدها لا تكفي أن تشكل تيارا نقديا رقميا، ولا بد أن تكون هناك أصول وقواعد.
كما أكد الناقد المصري على أن الرواية بنت المرأة الحكّاءة، وأنها أغرت الشعراء وأغرت النقاد والفنانين التشكيليين لأن يرتادوا عوالمها.

العلم منظور يقول بالتحول والتبدل والاكتشاف والجمع بين الممكن والمحتمل، والرواية فن ديمقراطي حديث ينفذ من الواقع المرئي إلى جوهره الغامض

بعد ذك تحدث الناقد الدكتور أحمد درويش عن رواية "باري أنشودة سودان" للروائي إبراهيم أحمد عيسى، فقال إنها رواية تاريخية جيدة يدور محورها حول إمارة "باري" العربية في إيطاليا وأميرها "سودان" البطل الأسطوري الذي ينتمي إلى قبائل الربض الذين هاجروا من الأندلس، واستقروا في الإسكندرية أولا، ثم اتخذوا منها منطلقا للوصول إلى جزر البحر المتوسط وتكوين مجتمعات متحضّرة في صقلية ومالطة وسيشيل وكريت، والوصول إلى شواطئ إيطاليا في مدينة باري وتكوين إمارة بها، والحلم المتزايد بالوصول إلى روما والتحرك الهادئ على طريق تحقيق الهدف وسط معرفة الراوي الجيدة بالمناخ الثقافي والعقائدي لمجتمع دوقيات وإقطاعيات العصور الوسطى في أوروبا وتعامله معها بطريقة فنية راقية.
وأوضح درويش أن الكاتب استطاع أن يوظف عناصر الرواية التاريخية توظيفا بارعا مع التركيز المحايد على المقارنة غير المباشرة بين الصورة المرعبة التي بثها القساوسة عن هؤلاء "السراسنة" المتوحشين بين الناس والصورة النبيلة الراقية التي ارتسمت في أعين من خالطهم وأحبهم.
أما الكاتبة السودانية بثينة خضر مكي فقد تحدثت عن "مستقبل السرد" وأوضحت أن تطور السرد الأدبي بشقيه المحكي والمكتوب يمثل مسارا مهما في الآداب والفنون، ويردم فجوات ناتئة في طريق التطور الأدبي في المستقبل من حيث النوعية والمتعة والتعليم.
وأشارت إلى أن السرد الأدبي ينقسم إلى شفاهي ومكتوب، ويتم توظيف السرد الشفاهي خصوصا من كبار السن عبر الحكايات الشعبية والقصص في المستقبل لتواكب زمن العولمة لتوطين الهوية الوطنية والقيم التربوية لدى الأطفال والشباب، ويكون ذلك مهما في بلاد لا تزال تعاني من نقص في التعليم المدرسي في تعليم الناشئة وإعدادهم لمستقبل واعد.
وتساءلت مكي عن مستقبل السرد الأدبي المكتوب من قصة ورواية ونصوص، وعن الدور المنوط بالسرد إزاء التحديات الاجتماعية والسياسية في ظل النظام الإلكتروني في عصر السرعة والمعلومات؟ وكيف يكون تطور النص الأدبي لغويا ومعرفيا، وما دوره في علاج مشكلات اللغة والتخاطب وإثراء الكيانات الاجتماعية العربية؟
وقالت: من المؤكد أن السرد مكون مهم في تكوين شخصية الفرد، وهو مؤثر شديد الفاعلية منذ النشأة الأولى مثل الحكايات والقصص والأمثال الشعبية المسرودة التي تشكل محورا أساسيا.
ثم تحدث الناقد المغربي الدكتور سعيد يقطين عن الرواية من التجريب إلى الترقيم (من أجل رواية رقمية عربية) وقال: إن بروز وسيط جديد للتواصل يؤدي إلى بروز أشكال جديدة للإبداع والتلقي. وأوضح أنه من السرد الشفاهي إلى الطباعي، مرروا بالكتابي ظهرت أنواع سردية متعددة، تراجع بعضها واختفى بعضها الآخر نهائيا، وظهرت أخريات في الصيرورة، وكانت الرواية النوع الأكثر ارتباطا بتكنولوجيا الطباعة، ففرضت نفسها إبداعا وتلقيًا. ومع بروز الوسائط الجماهيرية (السينما، التلفزيون) اتسع مدى تطورها، فاستفادت من مختلف إنجازاتها، وصارت تغذيها بما تقدمه من أعمال عن طريق تحويلها إلى مسلسلات تلفزيونية، أو أفلام سينمائية، ومع ظهور الرقمنة استفادت الرواية من التكنولوجيا الجديدة، فظهرت أنواع جديدة من الرواية يتم إنتاجها وتلقيها بواسطة برمجيات تتلاءم مع الوسيط الرقمي الجديد.
وأضاف يقطين: في هذه الصيرورة انتقلت الرواية من "نص" مكتوب على الورق وأحادي العلامة (اللغة) إلى "نص مكتوب" تتجاور فيه علامات متعددة تتسع للصوت والصورة بمختلف أشكالها. وتساءل: هل نحن أمام رواية جديدة قوامها الرقمنة التي تجعلها مختلفة عن الرواية التي تشكلت باتصالها بالطباعة؟ أم أمام "نوع" جديد، لا علاقة له بالرواية بالمعنى التقليدي: نوع يجمع بين الرواية والمسرح والسينما والصورة، ولكن بطريقة جديدة تقطع مع كل هذه الإبداعات السردية والدرامية والصورية التي مورست قبل العصر الرقمي، لأنها توظفها جميعا بكيفية لا علاقة لها بما كان سائدا؟

وأكد سعيد يقطين أن ورقته تسعى إلى الإجابة عن هذه الأسئلة بالانطلاق من الحديث عن الرواية ما قبل الرقمية، وما راكمته من خبرات تحت مسمى "التجريب" الذي يلخص كل التقنيات التي جاء بها في عبارة واحدة: تجاوز "إكراهات" الكتاب الورقي، وتبعا لذلك – كما يرى الناقد المغربي – فإن إبداع الرواية الرقمية ما كان ليكون لولا تطور الوعي بالإبداع السردي الذي تحقّق مع ما تراكم من تجارب وسائطية من الطباعة إلى الرقمنة، مرورا بالوسائط الجماهيرية، مما جعل "الترقيم" ليس فقط استجابة لظهور وسيط جديد، ولكن ضرورة لإنتاج سرد جديد يتلاءم مع عصر المعلومات والمعرفة.
وشدّد يقطين على أنه دون إعادة فهم "التجريب" الذي مارسته الرواية العربية على غرار الرواية العالمية، لا يمكننا ممارسة "الترقيم" سواء على مستوى الإبداع أو التلقي أو الدراسة، وهذه هي الأطروحة التي ندافع عنها لجعل الإبداع الروائي العربي قادرا على التلاؤم مع تقنيات العصر الجديد، ويعطيه إمكانات المساهمة في الإبداع الرقمي الإنساني.
أما الناقد الدكتور فيصل دراج فقد تحدث عن "الرواية والعلم والمتخيل الروائي" قائلا: يتقاطع منظور العلم والتصور الروائي في مواقع مختلفة، أولها: السير من المعلوم إلى المجهول، فالعلم قوامه اكتشاف ظواهر غير معروفة الأسباب، والرواية مزيج من السرد والاستبصار وتوقع حدوث ما لا يبدو واضحا للعيان، ويتمثل ثاني المواقع بتعددية العناصر الموزعة على الطرفين، فلا وجود لاختصاص علمي لا يتكئ على اختصاصات علمية أخرى، ما أقام بين الفيزياء والرياضيات علاقة ثابتة، وكذلك حال الرواية التي تتوسل المعارف على موائد مختلفة، تتضمن التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم اللغة، وينزع العلم، كما الرواية، إلى عالم أفضل، ما جعل الأول يرتبط برواية الخيال العلمي المنفتحة على المستقبل، ووضع في الرواية فكرة المدينة الفاضلة، على الرغم من سياقات اجتماعية تنشر تفاؤل أحيانا (رواية الواقعية الاشتراكية)، أو تلتبس بتشاؤم شديد، (روايتا جورج أورويل "1984" والدوس هكسلي "العالم الجديد الطريف").
وأضاف دراج: لا تختصر علاقة الرواية بالعلم إلى مواضيع جديدة يقترحها الثاني، كأن يكتب بعض الروائيين عن رحلات إلى الفضاء والمناطق المجهولة ورحلات داخل الجسد الإنساني، إنما تقوم في توليد متخيَّل طليق يرجع إلى الماضي ويتقدم مستقبلا، ويحرِّر الواقع من صورته المعطاة الثابتة، ويحوله إلى واقع بصيغة الجمع حاشد بالإمكانيات.
ويشير د. فيصل دراج إلى أن العلم منظور يقول بالتحول والتبدل والاكتشاف والجمع بين الممكن والمحتمل، والرواية فن ديمقراطي حديث ينفذ من الواقع المرئي إلى جوهره الغامض، تملي تصوراتها أشكالا كتابية متنوعة متحولة، تستلهم العلم الحديث من الثورة الأولى إلى الثورة المعلوماتية القائمة.