هويدا عطا تنقل أسرار عابري الربع الخالي من الرمال إلى الذاكرة
شكلٌ جديد من أشكال "أدب الرحلات" تقدمه لنا الكاتبة هويدا عطا من خلال كتابها "عابرو الربع الخالي"، فقد تعودنا في عالم أدب الرحلات أن يتحدث الكاتب عن رحلاته هو إلى أماكن مختلفة سواء داخل بلده أو خارجها، وفي حالة أن تكون الرحلة داخل البلد، سيكون ما يكتبه أو يدونه الكاتب "أدب رحلات داخلي"، وفي حالة أن تكون الرحلة خارج بلده فسيكون "أدب رحلات خارجي"، ولكن في كثير من الأحيان لا نُعنى بهذا التقسيم، وما يهمنا أن ما يُكتب عن الرحلة هو أدب في المقام الأول، ثم تأتي بعد ذلك التقارير والصور والمقارنات والاستشهادات والأوصاف، وغير ذلك من مقومات الكتابة عن الرحلة.
وعلى الرغم من ابن بطوطة (1304 – 1377) يُعد من أشهر كتَّاب أدب الرحلات من خلال كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، فإن أسلوبه لا يرقى لأن يكون أسلوبًا أدبيًّا، وكذا الحال عند رفاعة الطهطاوي (1801 – 1873) في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وغيرهما، ونلاحظ أن كل كتَّاب أدب الرحلات اعتمدوا في وصف رحلتهم على الحديث عن ذواتهم ومشاهداتهم ووصفهم هم، بمعنى أن ابن بطوطة على سبيل المثال يتحدث بلسان المتكلم، يتحدث عن مشاهداته هو، ومواقفه هو، وردة فعله هو، وكيف تم استقباله وتوديعه في المكان الذي نزل فيه ورحل عنه، وكذلك قنديل العنابي في رواية "رحلة ابن فطومة" لنجيب محفوظ الذي يغادر بلده ويقوم برحلة عبر بلاد متعددة يمر فيها بتجارب مختلفة.
الأمثلة كثيرة ومتراكمة، ولكن في كتاب "عابرو الربع الخالي" لا تتحدث هويدا عطا عن نفسها أو عن رحلتها هي إلى هذا المكان المرعب الذي لم تطأه قدم إنسان من قبل، وهو الربع الخالي الممتد في شبه الجزيرة العربية من خلال خمس دول هي: اليمن والسعودية والإمارات وعُمان والبحرين، والذي يشكل رُبع مساحة شبه الجزيرة العربية، لذا أطلق عليه الرُّبع الخالي (بضم الراء)، وفي رواية أخرى "الرَّبع الخالي" (بفتح الراء) بمعنى الدار، أو ما حول الدار، فهي دارٌ خالية لا يعيش فيها إنسان، وقد يعيش فيها الجن والعفاريت والأشجار والنباتات والحيوان. أو هي خالية من الحياة بالنسبة للإنسان، ومصدر خطورة وضياع له.
أيًّا كانت التسمية، فإن الكاتبة لا تحدثنا عن رحلة قامت هي بها إلى الربع الخالي، ولم تكن هي من العابرين لهذا الربع، ولا تحدثنا عن رحلة قام بها الرحَّالة البريطاني ويلفرد ثيسجر الذي سُمي "مبارك بن لندن" في صحراء الربع الخالي ودوَّنها في كتابه "الرمال العربية"، لتكون رحلة الكاتبة رحلة غيرية، مثل رواية السيرة الغيرية التي يتحدث فيها الراوي عن سيرة شخص آخر. وإنما تحدثنا الكاتبة عن مرافقي مبارك بن لندن إلى الربع الخالي، وهم أربعة مرافقون: ابن كبينة (أو ابن قبينة)، وابن غبيشة، وعمير بن عمر، وابن كلوت.
لقد دوَّن ابن لندن رحلته في كتابه "الرمال العربية"، وتحدث عن هؤلاء الأربعة، - وغيرهم - الذين اصطحبهم معه إلى الربع الخالي، من وجهة نظره، في شخصياتهم وعملهم وأدائهم ومغامراتهم معه أثناء الرحلة التي جاءت لاستكشاف تلك الصحراء، والكتاب تم تعريبه (بتصرف)، بواسطة محمد محمد عبدالقادر، مرة باسم "الرمال العربية"، وأخرى باسم "فوق الرمال العربية" تلك الرحلة التي قطعوا فيها قرابة العشرة آلاف من الأميال على ظهور الإبل، حيث لم تكن ثمة وسيلة أخرى للمواصلات والاتصال بالعالم الخارجي غيرها في زمن الرحلة.
ولكنَّ أحدًا لم يحدثنا عن هؤلاء الأربعة الذي صاحبوا مبارك بن لندن في رحلاته الست التي قام بها إلى الربع الخالي، حيث لم تكن رحلة واحدة قام بها الرحَّالة البريطاني، ولكن رحلته جاءت على ست دفعات، استعان فيها بالكثير من الشخصيات، منهم الشخصيات الأربعة الذين تحدثت عنهم الكاتبة.
ونظرًا لأهمية هذا الكتاب، وتلك الرحلة في كشف اللثام عن غموض تلك الصحراء، أو هذا الربع الخالي، كان لا بد من الاقتراب من هؤلاء الأربعة الذين شاركوا بطريقة أو بأخرى في هذا الكشف. وقد كانت الفرصة مواتية للكاتبة هويدا عطا، لأن تلتقي هؤلاء الأربعة – الذين من حسن حظها، ومن حسن حظنا كقراء – أنهم لا يزالوا على قيد الحياة وقت أن التقتهم الكاتبة عام 2014 أو قبلها بقليل، وهذا العام هو عام صدور الطبعة الأولى من الكتاب، الذي بين أيدينا طبعته الثالثة، ومن هنا تأتي أهمية الكتاب، فهو الأول الذي دُوِّنت فيه شهادات هؤلاء الأربعة المصاحبين لمبارك بن لندن.
نعم هو تحدث عنهم في كتابه "الرمال العربية"، وذكر أنه كان الأوروبي الوحيد في هذه الأصقاع، ولكننا كنا في حاجة لحديثهم هم، وانطباعاتهم هم، وشهاداتهم هم، ولم يفكر أحد في ذلك قبل هويدا عطا، ولحسن حظها وحظنا مرة أخرى أنها كانت تعمل في الصحافة الإماراتية، وتحديدًا في مجلة "المرأة اليوم" في أبوظبي، ولأنها صاحبة أفكار خارج الصندوق، وجريئة ومقتحمة وصاحبة رؤية صحفية غير تقليدية، فقد أخذت على عاتقها القيام بهذه المهمة بعد مرور أكثر من خمسين عامًا على الرحلة. لقد كبر الفتيان الذين صاحبوا مبارك بن لندن، وأصبحوا أجدادًا وشيوخًا، ولكن لم تزلْ ذاكرتُهم قوية، ولم تزل عزيمتُهم حديدية، ولم يزلوا يحنون إلى تلك الأيام التي تنبأ فيها مبارك بن لندن باكتشافات بترولية واسعة في تلك المنطقة قبل خمسين عاما من لقاءات الكاتبة مع الرحّالة الأربعة الذين كُتبت لهم الشهرة الواسعة والتكريمات الرائعة بعد اكتشافات أو رحلات مبارك بن لندن الناجحة، وخاصة في عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
تُرى كم كنا سنجني من فائدة لو كان المصريون المصاحبون لهوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ آمون بالأقصر عام 1922 – على سبيل المثال - قد تحدثوا إلينا، وشرحوا لنا ظروف عملهم ومشاركاتهم وملاحظاتهم وانطباعاتهم عن هذا الاكتشاف العظيم؟ وتُرى كما كنا سنجني الكثير من الفائدة لو كان المصريون المصاحبون لرحلة شامبليون في مصر عام 1828 – على سبيل المثال - قد تحدثوا عن رحلته وأسرار فكه لرموز اللغة المصرية القديمة على الأحجار والمعابد والتماثيل والمسلات التي رآها رؤية العين عند حضوره إلى مصر؟
وأنا أعتبر أن هذا النوع من الكتابة عن الآخرين المصاحبين لصاحب الرحلة، يُشبه الرواية الصوتية، أو الرواية البلوفونية، خاصة إذا تُرك العنان لهؤلاء المصاحبين للحديث بأنفسهم عن أنفسهم دون تدخل الكاتب أو الراوي الأصلي، وهو هنا هويدا عطا التي ذهبت إليهم في أماكن وجودهم في دولة الإمارات العربية المتحدة، بدعم من مجلة "المرأة اليوم". سألتهم فتحدثوا، وغاصت في أعماقهم فاستخرجوا مكنوناتهم، وصحا التاريخُ في ذكرياتهم وعقولهم، فأجابوا بكل أريحية، وأعلن بعضهم غضبَه أو عدم رضاه عن بعض تصرفات مبارك بن لندن معهم، أو تفضيله أحدهم مثل ابن كبينة على غيره من الزملاء الآخرين.
وعلى ذلك فإن الآخرين هم الذين يحكون ويتحدثون وليست الذات الكاتبة، وهذا يذكرنا بالروايات الصوتية العربية مثل: "ميرامار"، و"العائش في الحقيقة" لنجيب محفوظ. وأضيف روايتي "ليالي الكرمة". إن هناك ذاتًا مركزية يتحدث عنها شخوص الرواية. في "ميرامار" كانت تلك الذات هي زهرة، وفي "العائش في الحقيقة" كانت تلك الذات هي أخناتون. وفي "ليالي الكرمة" كانت تلك الذات هي أمير الشعراء أحمد شوقي. أما في "عابرو الربع الخالي"، فكانت هناك ذاتان مركزيتان، الأربعة يتحدثون عنهما، الذات الأولى هي الرحلة نفسها، أما الذات الأخرى فهي "مبارك بن لندن". ولا نستطيع أن نفصل الذاتين عن بعضهما البعض، لأنهما ارتباطا ببعضهما البعض ارتباطًا وثيقًا، فإذا لم يكن الربع الخالي موجودًا، فلن نجد مبارك بن لندن، وإذا لم يكن بن لندن موجودًا فلن تحدث الرحلة.
كل شخصية من الشخصيات الأربعة تحكي كيف تعرفت على ويلفرد ثيسجر، أو مبارك بن لندن، وكيف اختارهم، وكيف كان وقع هذا الاختيار على عائلة كل منهم، وهم في تلك السن المبكرة من الشباب، وكيف تعاملوا مع هذا الرجل البريطاني أو الأجنبي، وكيف كانوا يتقاضون أجورهم، ويتسلحون بالبنادق والسيوف والخناجر، وما هي الأخلاقيات التي على أساسها يتم التعامل مع بعضهم البعض، وما وظيفة كل منهم، ما بين الحراسة والطهي ونصب الخيام واختيار المكان الصالح، والتعامل مع الحيوانات، واللصوص والقبائل المغيرة والطامعة، والتعرف على الأشجار والنباتات، وحلول بعض المشكلات، خاصة المشكلات الحدودية التي قادتهم إلى السجن في إحدى المرات بسبب الشكوك التي حامت حولهم، خاصة أن معهم شخصية أجنبية وغير مسلمة، قد تكون غير مرغوبة فيها لأنها تنتمي إلى دولة استعمارية، وما إلى ذلك من هواجس ومتاعب وأحوال وأهوال وضحت لنا في طريق الرحلة الممتدة بين خمس دول عربية.
وعلى الرغم من ديانة ويلفرد ثيسجر المغايرة، فأنه كان ينبه رفقاءه بمواعيد الصلاة ليؤدوا صلواتهم، وعندما سأله أحدهم عن سبب ذلك أجاب ببساطة متناهية إنهم إذا لم يكونوا مخلصين لدينهم فلن يكونوا مخلصين له. وعندما رأى التزامهم الديني والأخلاقي بدأ يأمنُ لهم، ويطمئنُ إليهم، ويبوح لهم ببعض أسراره. لقد عرف روح تلك البلاد وعرف عظمة العرب.
لقد أحبَّ مبارك بن لندن راعية أغنام سمراء وذات قوم سمهري وعيون غزلان، لكنه لم يستطع الزواج منها، فهو على غير ديانتها، وأيقن أن أهلها لن يوافقوا عليه، وكان الأربعة يعرفون ذلك، وأكدوا أنه لم يحب سواها طيلة وجوده في الرحلة، وهو ما لم يذكره مبارك بن لندن في كتابه "الرمال العربية" الذي قرأته بعد الانتهاء من قراءة كتاب "عابرو الربع الخالي".
رحل بن لندن عام 2003 عن ثلاثة وتسعيين عامًا دون أن يتزوج. وربما أسهم ميلاده في الحبشة (عام 1910) حيث كان والده سفيرًا لبريطانيا في أديس أبابا، ونشأته في العاصمة الأثيوبية في الميل إلى تلك البدوية، وإلى حبه لرائحة الأديم والرمال وهي تكتوي بنار الشمس المُحرفة.
غير أن "عابرو الربع الخالي" لم يتحدث كثيرًا عن مبارك بن لندن، فهذا لم يكن هدفَه، وإنما كان الحديث أكثر عن الشخصيات العربية الأربعة: سالم بن كبينة، وسالم بن غبيشة، وعمير بن عمر، ومحمد بن صالح بن كلوت، بكتابة فصل مستقل عن كل شخصية، وكانت الخاتمة من نصيب المؤلفة كتعقيب كلي على شخصياتها، وينتهي الكتاب بملحق الصور التي تدعم الكلام والذكريات.
ولعل هذه الكلمات تصف لنا معاناة الكاتبة في الوصول إلى أبطالها ومشاعرها أثناء البحث عنهم، تقول: "بحثت طويلا عن بيوتهم واجتزت مواقع كثيرة من الطرقات والمنازل بمناطق الوثبة وبني ياس والنهضة والعين، وتوقفت كثيرا أمام أبوابها البيضاء دون جدوي. كان لهيب القيظ يحيطني من كل مكان بسبب ارتفاع حرارة الجو في ذلك اليوم، وكان لهيب آخر يحرق أعصابى خوفًا من الفشل في العثور عليهم، لذا قلتُ في نفسي كما غاص مبارك بن لندن ومرافقوه من شباب الإمارات في بحار الرمال العربية ليستكشفوا مجاهلها، فإن عليَّ أنا أن ألتقي هؤلاء الرجال لاستكشف ذكرياتهم ومشاعرهم، وليس لي أن أنسى أنهم كانوا سببًا حقيقيًّا فى نجاح تلك الرحلة الشهيرة وعبور صحراء الربع الخالى وفى إنقاذ البشر والحيوانات من الموت غرقًا بالرمال".
من ناحية أخرى كان مبارك بن لندن يشعر بالسأم كلما انتهى من رحلةٍ في الرمال العربية، حيث يبدو له المستقبل فارغًا عندما يعود إلى حياة المدنية الجافة، حيث لا مفاجآت، وهو يرغب دائما في حياة مليئة بالمتاعب والمغامرات. إنه يحيي العرب الذين عاشرهم، ويقدر مزاياهم وصفاتهم ويحيي فيهم حفاظهم على تقاليدهم الموروثة. ويتذكرُ قَتْلَه لسبعين أسدًا خلال السنوات الخمس التي عاشها في السودان. إن ذكريات الصحراء تبعث في نفسه نشوةً خاصة. لقد عرف – في الصحراء - معنى الصُّحبة وواجبات الزمالة، ذاق طعم الهدوء والطمأنينة والمتعة الحقيقية التي تنبع عن القناعة والزهد. وخلال الخمس سنوات التي قضاها مع البدو لم يفقد يومًا قطعة واحدة من النقود أو الذخيرة، مع أنها كانت أثمن وأغلى شيء عندهم. وهذا ما جعله يستعين بأصدقاء رحلة الربع الخالي الذي ظل دائما بمنأى عن الغُزاة، وهم: ابن كبينة، وابن غبيشة، وعمير بن عمر، وابن كلوت.
لقد أدرك مبارك بن لندن أن التآلف والتواد مع هؤلاء أيسر بكثير من التآلف والتواد مع سكان الحضر من المثقفين الذين تركوا عاداتِهم وتقاليدَهم إلى تقليد عادات الغرب وتقاليده. لقد وجد بن لندن الحياة التي يبحث عنها مع أصدقاء الرحلة، واستطاع بهم أن ينتصر على صحراء "الربع الخالي" غير الصامتة، فيأكلون ويشربون ماءً نظيفُا بسخاء. إنهم كانوا يحتقرون الحياة السهلة، ويتوقون إلى الحياة القاسية، ويتحملونها في صبرٍ وجَلدٍ عجيبين. لقد ذهب بن لندن إلى الصحراء ينشد السلام مع زمالة سكان البادية، وعند كان يعود إلى لندن يحس إحساسَ من يذهب إلى المنفى.