الزيدي ينبش ملفات الفساد ويهاجم ديوان الرقابة المالية

الزيدي يوجه بمنح رئيس ديوان الرقابة المالية صلاحيات أوسع لتدوير المديرين العامين ودعم الديوان بالملاكات الوظيفية والموارد البشرية اللازمة.

بغداد - وجّه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي انتقادات غير مسبوقة لأداء ديوان الرقابة المالية، في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل الحكومة من بطء عمليات التدقيق المالي وضعف الرقابة على الإنفاق العام، وسط استمرار الجدل بشأن ملفات الفساد والهدر المالي في مؤسسات الدولة العراقية.

وقال خلال جلسة مجلس الوزراء إن ديوان الرقابة المالية يعد "أهم مؤسسة رقابية في العراق والمنطقة"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود "ملاحظات جوهرية" على آلية عمله، مؤكدا أن بعض الوثائق داخل الديوان تتلف بعد مرور خمس سنوات، في حين أن عددا من الشركات العامة لم يخضع للتدقيق منذ أكثر من خمس سنوات، وهو ما وصفه بالأمر "غير الصحيح".

وتكشف هذه التصريحات عن توجه حكومي نحو إعادة تقييم المنظومة الرقابية في العراق، خاصة أن ديوان الرقابة المالية يمثل الجهة الأساسية المكلفة بمتابعة الإنفاق الحكومي والتدقيق في العقود والمشاريع العامة.

وأكد الزيدي أن عملية التدقيق المالي يجب أن تتم بصورة منتظمة بعد انتهاء كل سنة مالية، مشيرا إلى أن التأخير في مراجعة الحسابات يضعف قدرة الدولة على اكتشاف المخالفات مبكرا ويمنح الفساد مساحة أوسع للتحرك داخل المؤسسات.

وأوضح أن الملاحظات البسيطة ينبغي معالجتها إداريا، بينما يجب إحالة المخالفات الجوهرية إلى القضاء، في إشارة إلى رغبته في ربط الرقابة المالية مباشرة بمسار المحاسبة القضائية، بدلا من بقاء كثير من التقارير داخل الأدراج الإدارية.

وجاءت تصريحات الزيدي خلال استضافة رئيس ديوان الرقابة المالية في جلسة مجلس الوزراء لمناقشة واقع عمل الديوان وسبل تطويره، حيث شدد رئيس الوزراء على أهمية الدور الوقائي والرقابي للمؤسسة في حماية المال العام وضبط الإنفاق الحكومي.

ووجه الزيدي باعتماد آليات جديدة تتعلق بوضع سقوف مالية للعقود الحكومية، على أن تُحال العقود التي تتجاوز سقفا محددا إلى لجنة مركزية متخصصة تتولى مراجعتها والموافقة عليها، في محاولة لتقليل الهدر ومنع تمرير العقود الكبيرة دون تدقيق كاف.

كما دعا إلى اعتماد التدقيق المسبق واللاحق للمشاريع الحكومية وأوجه الصرف المالي، مع التأكيد على ضرورة إنجاز مراجعة حسابات الشركات العامة سنويا وعدم ترحيل الملاحظات لسنوات طويلة كما يحدث حاليا.

ولعل أبرز ما حملته تصريحات الزيدي كان حديثه عن الاستعانة بشركات تدقيق عالمية لتطوير آليات الرقابة المالية، وهي خطوة تعكس إدراكا حكوميا بأن المؤسسات الرقابية العراقية تواجه تحديات فنية وإدارية تجعلها عاجزة أحيانا عن مواكبة حجم الإنفاق وتعقيدات شبكات الفساد.

ويرى مراقبون أن انتقادات الزيدي تحمل بعدين أساسيين، الأول إداري يتعلق بمحاولة تحديث أدوات الرقابة المالية وتحسين كفاءة التدقيق، والثاني سياسي يرتبط بإظهار الحكومة بمظهر الجهة الجادة في مكافحة الفساد، خاصة في ظل الضغوط الشعبية المستمرة لتحسين إدارة المال العام ومحاسبة المتورطين في ملفات الهدر.

كما تعكس تصريحات رئيس الوزراء وجود قناعة داخل السلطة التنفيذية بأن جزءا من الفساد لا يرتبط فقط بضعف القوانين، بل أيضا ببطء الإجراءات الرقابية وتراكم الملفات دون حسم سريع.

ووجّه الزيدي بمنح رئيس ديوان الرقابة المالية صلاحيات أوسع لتدوير المديرين العامين ودعم الديوان بالملاكات الوظيفية والموارد البشرية اللازمة، في محاولة لتعزيز استقلالية المؤسسة ورفع قدرتها على تنفيذ مهامها الرقابية.

وبين الدعوات إلى الإصلاح والاستعانة بالخبرات العالمية، تبدو الحكومة العراقية أمام اختبار حقيقي يتمثل في تحويل الانتقادات العلنية إلى خطوات عملية قادرة على استعادة الثقة بمؤسسات الرقابة ومكافحة الفساد في بلد ما تزال فيه ملفات المال العام واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدا.