السرد أمميٌ وعابر للتاريخ وللثقافات

هايدن وايت  واحد من أهم فلاسفة التاريخ في العقود الأخيرة، لكن حجم المعرفة به وبأعماله عربيا لا يتناسب مع مكانته العالمية الكبيرة.


حينما يصبح السرد وعاء للمادة التاريخية


السرد موجود ببساطة كالحياة نفسها

القاهرة ـ من أحمد رجب

المفكر الأميركي هايدن وايت (12 يوليو/تموز 1928 - 5 مارس/آذار 2018) واحد من أهم فلاسفة التاريخ في العقود الأخيرة، لكن حجم المعرفة به وبأعماله عربيا لا يتناسب مع مكانته العالمية الكبيرة، ولعل قيام "مشروع نقل المعارف التابع لهيئة البحرين للثقافة والآثار"، بإصدار ترجمة الدكتور نايف الياسين  لكتاب "محتوى الشكل، الخطاب السردي والتمثيل التاريخي" يعالج بعض هذا القصور.
هايدن وايت في كتابه هذا كما في أغلب أعماله، يقارب التاريخ من منظور الناقد الأدبي، ويؤكد على العلاقة الوثيقة بين الخطاب السردي والتاريخ، من خلال ثمانية فصول في مجال العلاقة بين التأريخ ونظرية السرد، وقد اختار لها عنوانا جامعا هو "محتوى الشكل" تعالج مشكلة العلاقة بين الخطاب السردي والتمثيل التاريخي، ويقوم خلال هذه الدراسات بتحليل رؤى عدد من أبرز المفكرين الذين تناولوا هذين الموضوعين مثل بول ريكور، ورولان بارت، وميشال فوكو، وغيرهم.
وتصبح هذه العلاقة مشكلة بالنسبة إلى نظرية التاريخ عند إدراك أن "السرد ليس مجرد شكل خطابي حيادي قد يستخدم أولا لتمثيل الأحداث الحقيقية من حيث هي سيرورات تطور، بل ينطوي على خيارات معرفية ذات استتباعات أيديولوجية، بل حتى سياسية متمايزة، يعتقد العديد من المؤرخين المحدثين أن الخطاب السردي ليس وسيطاً حيادياً لتمثيل الأحداث والسيرورات التاريخية، بل هو المادة التي تصاغ منها نظرة أسطورية للواقع".

الأدب والفن لا يمثلان فقط القدرة الإنسانية على تخيل عالم أفضل، بل يمارسان سلطة أخرى مختلفة عن سلطتي العلم أو السياسة، هي سلطة الثقافة

ويؤكد هايدن وايت على أهمية أربعة مجازات للوعي تصوغ كل مراحل عمل المؤلف، ويربطها بأربعة أشكال بلاغية هي: الاستعارة والكناية والمجاز المرسل والسخرية، حيث يمتلك كل شكل من هذه الأشكال طريقته الخاصة في تنظيم المعلومات في وحدات أكبر. وتتركز رؤيته في أن الصفة الشعرية في التاريخ وليس الأدلة التاريخية وحدها تحدد مسبقا المنظور التفسيري للمؤرخ. وهو يؤكد على أن التاريخ الذي يختار المرء روايته يستند إلى قيم جمالية وأخلاقية تتناقض تماما مع الفهم الموضوعي والحيادي للأدلة التاريخية. وهو يرى كذلك أنه يتم نقل الأحداث التاريخية والتخييلية من خلال استراتيجيات تمثيلية متشابهة وبالتالي لا يوجد فرق بينهما على المستوى الشكلي.
تمثيل الواقع
ينطلقُ هايدن وايت بالدراسة الأولى التي تناقش فكرة "قيمة السردية في تمثيل الواقع"، ليبين أن الدافع للسرد أمرٌ طبيعي لدى الإنسان، لهذا على إظهار القيمة المرتبطة بالسرد في تمثيل الأحداث الواقعية، ليبين أن هذه القيمة تنشأ عن رغبة في جعل الأحداث الواقعية تظهر تماسك ووحدة واكتمال واختتام صورة للحياة يمكن أن تكون خيالية فقط.
ويناقش فيه وايت ما ذهب إليه رولان بارت الذي وجد في السرد حلاً لما يكتنف ترجمة فعل المعرفة إلى فعل القَص، فهو يقول: "إن السرد موجود ببساطة كالحياة نفسها، أمميٌ وعابر للتاريخ وللثقافات"، كما يتناول شكلَي الحوليات والإخباريات ويفاضل بينهما في التمثيل التاريخي. ويتساءل في النهاية عن إمكان الخوض في السرد دون إعطاء دروس وعظية أو أخلاقية.
هكذا يريد وايت التمييز بين التخييل والواقع "على حين أن كتاب القصص الخيالية كانوا يخترعون كل شيء في سردياتهم، فإن المؤرخين لا يخترعون شيئاً سوى زخارف بلاغية تهدف إلى الاستحواذ على انتباه قرائهم، وهذا ما يعلل الاهتمام الذي تبديه الفئات الاجتماعية المهيمنة ليس بالسيطرة على ما يعد أساطير سلطوية لتشكيل ثقافي معين وحسب، بل أيضاً بضمان اعتقاد أن الواقع الاجتماعي ذاته يمكن عيشه وفهمه واقعياً أيضاً على أنه قصة".
ويمكن النظر للشكل السردي في الخطاب التاريخي باعتباره  قالبا يمكن أن يستخدم في تمثيل الأحداث التاريخية التي هي وقائع تاريخية كتبها راو يحتمل أنه عاينها، ولذا يستبعد وايت أن تكون عملية الكتابة قائمة على محاكاة قصة معيشة في منطقة ما من الواقع التاريخي. وهو ما يسميه وايت "نمط الأطروحة في الخطاب التاريخي" كنوع من التهكم والانتقاد لطابع المحاكاة التلفيقي، بينما تعتمد النظرية التاريخية المعاصرة على السرد بوصفه الشكل الذي فيه يصب المحتوى التاريخي وهكذا يصبح السرد هو القالب الشكلي بينما المادة التاريخية هي المحتوى الذي سيصب فيه. 

العمل الأدبي أو الفني يعكس ظروف زمان ومكان إنتاجه
نمط الأطروحة في الخطاب التاريخي

الخروج من التاريخ
لا يدرس الماركسيون التاريخ لبناء صورة عما حدث فيه، بمعنى تحديد الأحداث التي وقعت في أوقات وأماكن محددة، بل يدرسونه لاستخلاص قوانين الديناميكية التاريخية، بما يتيح لهم إمكانية التنبؤ بالتغيرات التي قد تحدث في أي نظام اجتماعي راهن، فمعرفة قوانين السيرورة تمكننا من التمييز بين الواقعي والوهمي في أحداث التغيير الاجتماعي، فهي بذلك يمكنها الكشف عن حبكة الدراما الإنسانية برمتها، والتي تجعل من ظواهرها السطحية قابلة للفهم من منظور الماضي وأيضا فهم المستقبل من منظور الحاضر، لكن ادعاء الماركسية الوصول إلى "سلطة العلم" جعلها تترك الدور الرؤيوي للأديب والناقد، وهذا يثير الشكوك حول تلك الرؤى، فكيف يمكن التفويض بامتلاك رؤية ، خصوصا رؤية للتحرر الإنساني والخلاص من المجتمع ذاته، حتى لو أثبت التاريخ حقيقة أن الناس جميعهم رغبوا دائما في التحرر من وضعهم ككائنات اجتماعية، فإنه يثبت في ذات الوقت حقيقة أنهم لم يتمكنوا أبدا من إشباع تلك الرغبة. عند هذه النقطة ينجح الأدب والفن في تقديم وثائق تثبت واقع الرغبة في الخلاص وإمكانية تحققها المحتمل .
ولاشك أن الأدب والفن لا يمثلان فقط القدرة الإنسانية على تخيل عالم أفضل، بل يمارسان سلطة أخرى مختلفة عن سلطتي العلم أو السياسة، هي سلطة الثقافة التي يجب تمييزها عن سلطة المجتمع من خلال الترجمة الكونية لأشكال منتجاتها، عندئذ يصبح السرد عند إدراكه بوصفه فعلا رمزيا اجتماعيا يمنح الأحداث معنى، هنا يعطيه الفيلسوف والناقد الماركسي جيمسون سلطة تبرير اللحظة الطوباوية سواء في الفكر الإنساني بسكل عام أو في الماركسية بشكل خاص، هذه الرؤية مستمدة من قناعات جيمسون بسردية السيرورة التاريخية، وهو يتصور السرد كنمط من الوعي يساعد على تحقيق فعل ذي طبيعة تاريخية محددة، وهذا يتجاهل حقيقة أن العمل الأدبي أو الفني يعكس ظروف زمان ومكان إنتاجه، وبالتالي فمحتواه محكوم بزمنه، بينما سيتجاوز تلك الظروف حينما يتحدث عن مشاكل أزمنة وأمكنة أخرى، وبذلك ينمو من الحتمية التي ينبغي أن تفرضها عليه الماركسية، وهذا في الحقيقة أمر غير ممكن. (وكالة الصحافة العربية)