السودان على مسار ملغوم مثقلا بإرث البشير الاخواني

التأسيس لمرحلة انتقالية تفضي في النهاية لحكومة مدنية منتخبة تقود السودان لبر الأمان لا تقتضي إقصاء رموز النظام السابق بقدر ما تقتضي التخلص من ارثه وعلاقاته المتشعبة والمعقدة مع جماعات الإسلام السياسي والقطع مع الحاضنات الإقليمية لهذا التيار.



مهمة المجلس العسكري الانتقالي أشبه بالسير في حقل ألغام


المجلس العسكري يواجه ضغوطا شعبية ودولية لتسليم السلطة لحكومة مدنية


المجلس العسكري يسعى لانتزاع دعم واعتراف دولي لتثبيت سلطته الانتقالية


روسيا تعترف بسلطة المجلس العسكري الانتقالي


الخرطوم - يخوض المجلس العسكري الانتقالي في السودان معارك على الجبهتين المحلية والدولية لانتزاع دعم لمهمته التي تبدو أشبه بالسير في حقل ألغام مع رفض المحتجين لاستمراره في قيادة المرحلة الانتقالية ومطالب لا تهدأ من الحراك الشعبي بتشكيل مجلس مدني يتولى قيادة البلاد حتى إجراء انتخابات حرّة وديمقراطية.

ويبدو المجلس إلى حدّ الآن متماسكا بعد تعديلات أزاحت عوض بن عوف المحسوب على تيار الإخوان الذي اضطر للتنحي من رئاسة المجلس تحت وطأة الضغوط الشعبية.

لكن تلك التعديلات وقرارات أخرى شملت عزل مسؤولين في جهاز الأمن والمخابرات وإعفاء بن عوف من منصب وزير الدفاع وإقالة دبلوماسيين من الدائرة المقربة للبشير، لم تنجح في تهدئة الغضب الشعبي.

ويواجه المجلس العسكري الانتقالي وضعا صعبا مثقلا بإرث البشير الاخواني وشبكة علاقات معقدة مع المتمردين في دول مجاورة.

وإلى جانب الغليان الذي تشهده الساحة المقابلة لمقر وزارة الدفاع في الخرطوم، فإن المجلس العسكري أمام اختبار آخر يتعلق بالحفاظ على علاقات السودان الخارجية وعلى تأمين الأمن والاستقرار داخليا.

والتأسيس لمرحلة انتقالية تفضي في النهاية لحكومة مدنية منتخبة تقود السودان لبر الأمان لا تقتضي إقصاء رموز النظام السابق بقدر ما تقتضي التخلص من ارثه وعلاقاته المتشعبة والمعقدة مع جماعات الإسلام السياسي والقطع مع الحاضنات الإقليمية لهذا التيار.

 

الرئيس السوداني المعزول عمر البشير مع نظيره المصري المعزول محمد مرسي المنتمي لجماعة الاخوان المسلمين
نهاية مشابهة للبشير ومرسي: كلاهما اخواني وكلاهما عزله الجيش

وتبدو هذه أعقد مهمة يواجهها المجلس العسكري الانتقالي لإعادة هيكلة شاملة في العلاقات والبناء والأساس والارتباطات الخارجية لكن هذا يفترض أيضا أن لا يكون أعضاء المجلس متشبعين بفكر وإيديولوجيا الإرث الإخواني الذي على أساسه قاد البشير السودان طيلة ثلاثة عقود من حكمه الفردي.      

وشكّل البشير الذي جاء للحكم بانقلاب عسكري بدعم من الإسلاميين طيلة ثلاثة عقود من حكمه شبكة متشعبة ومعقدة من العلاقات مع الجماعات المتمردة في دول مجاورة ومع جماعات الإسلام السياسي ما يضع المجلس الانتقالي أمام خيارات صعبة وأسئلة ملحة تتعلق بالتخلص من ارث البشير وإعادة البناء على أسس تقطع مع ارتباطات النظام السابق وأدواره في النزاعات الداخلية والإقليمية.

ويتعرض المجلس العسكري الانتقالي لضغوط شديدة محلية ودولية لنقل السلطة لحكومة مدنية وسط مخاوف من استيلائه على الحكم، لكن أعضاءه أكدوا في تصريحات متواترة أنهم ليسوا طلاب سلطة ولا رغبة لهم في الحكم، موضحين أن الجيش تدخل عندما قرر الرئيس المعزول التدخل لفض الاعتصام أمام مقر وزارة الدفاع بالقوة.

وقال المجلس الذي يضم عشرة أعضاء أغلبهم من قادة الجيش، إن الفترة الانتقالية يمكن أن تقل كثيرا عن عامين إذا أمكن تجنب الفوضى.

ويجري المجلس منذ إعفاء بن عوف من منصبه لقاءات مع دبلوماسيين أجانب ضمن جهود أوسع لانتزاع دعم واعتراف دولي بسلطته في غمرة احتجاجات متصاعدة تطالب بحلّه وتشكيل مجلس مدني بتمثيل محدود للعسكر.

وفي أحدث اللقاءات، اجتمع رئيس المجلس العسكري ونائبه مع مسؤول صيني وسفير بريطانيا وسفيرة وهولندا، وفق لقطات بثّها التلفزيون السوداني اليوم الثلاثاء.

وظهر في اللقطات الفريق أول ركن عبدالفتاح برهان رئيس المجلس العسكري في لقاء مع عضو في وفد صيني بينما ظهر نائبه الفريق أول ركن محمد حمدان دقلو (حميدتي) مع السفير البريطاني عرفان صديق والسفيرة الهولندية كارين بوفين.

وعبرت دول غربية وعربية عن دعمها للإجراءات التي اتخذها المجلس، لكنّها طالبته بالإسراع في نقل السلطة لحكومة مدنية وكشف مصير الرئيس المعزول عمر البشير وعددا من رموز نظامه.

وكان المجلس العسكري قد أعلن بعيد عزله البشير أنه يحتفظ بالأخير في مكان آمن دون أن يحدده، لكن مصادر من حزب الأمة أبرز أحزاب المعارضة قالت إنه محتجز في القصر الرئاسي بالخرطوم مع قادة في جماعة الإخوان المسلمين لم تكشف هويتهم.

واعترفت روسيا بالمجلس العسكري الانتقالي كسلطة جديدة حاكمة، حيث نقلت وكالة الإعلام الروسية اليوم الثلاثاء عن ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية قوله، إن موسكو تعترف بالسلطات الجديدة في السودان بعد عزل الرئيس عمر البشير.

ودعا تجمع المهنيين السودانيين الذي قاد الاحتجاجات ضد البشير إلى حل المجلس العسكري الانتقالي الذي تولى السلطة وتشكيل مجلس مدني جديد مؤقت.

وأطاح المجلس العسكري الذي تشكل حديثا بالرئيس عمر البشير بعد 30 عاما في الحكم وأعلن أنه سيدير البلاد لفترة انتقالية يمكن أن تمتد عامين يلي ذلك إجراء انتخابات.

لكن رئيس المجلس العسكري الفريق أول ركن عوض بن عوف الذي أعلن عزل البشير قدم استقالته بعد يوم في المنصب تحت ضغط الشارع وهو أرفع مسؤول عسكري يتنحى عن منصبه مرغما.

وسلطت الأحداث الأخيرة الضوء على أعضاء المجلس العسكري الذي يقود البلاد ويشرف على تأمين المرحلة الانتقالية لما بعد البشير.

ويضم المجلس العسكري الانتقالي كبار قادة الجيش وهم في الأساس قادة الأفرع المختلفة للقوات المسلحة إضافة إلى رئيس قوات الدعم السريع وهي قوة شبه عسكرية تابعة للجيش ومدير عام الشرطة السودانية وممثل عن جهاز المخابرات.

إلا أن الرجل الذي أعلن خلع البشير استقال من رئاسة المجلس العسكري الانتقالي بعد أن قضى يوما واحدا في المنصب وهو عوض بن عوف الذي يعتقد أنه مقرب جدا من الإسلاميين وهو أيضا ذراع الرئيس المخلوع حيث تدرج في المناصب إلى أن تولى حقيبة الدفاع وعيّنه البشير نائبا له في اختيار يكشف سعي الرئيس السابق لإحكام قبضته على السلطة في مواجهة احتجاجات غير مسبوقة على حكمه.

وقام البشير في فبراير/شباط بترقية بعض أعضاء المجلس الحاليين في إطار تغيرات معتادة في القوات المسلحة.

وفي فبراير/شباط أيضا قام البشير بترقية عوض بن عوف الذي حل البرهان محله، ليصبح نائبا للرئيس وقت احتدام الاحتجاجات. ويعرف بن عوف بصلاته بالإسلاميين.

البشير يتوسط الرئيس المصري المعزول محمد مرسي وأمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني
هل سقط المشروع الاخواني بسقوط البشير؟

عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن

ولد الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن الرئيس الجديد للمجلس العسكري الانتقالي عام 1960 في ولاية نهر النيل. وكان المفتش العام للقوات المسلحة السودانية وثالث أكبر قائد عسكري في الجيش، لكن لا يعرف عنه الكثير في الحياة العامة.

وكان قائد القوات البرية ليشرف بذلك على القوات السودانية التي قاتلت في صفوف التحالف بقيادة السعودية في اليمن. ومنحه دوره في اليمن علاقات مع كبار القادة العسكريين في الخليج.

ومن غير الواضح إن كان للبرهان ميول إسلامية وارتباطات بجماعة الإخوان المسلمين على خلاف سلفه (عوض بن عوف) الذي يعتقد بقوة أنه ربط صلات وثيقة مع الاسلاميين شأنه في ذلك شأن الرئيس المعزول.

محمد حمدان دقلو (حميدتي)

الفريق أول ركن محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي هو نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي وثاني أقوى رجل في المجلس. وقد عينه البرهان ليحل محل كمال عبدالمعروف الماحي.

ولد دقلو عام 1975 وهو رئيس قوات الدعم السريع وهي قوة شبه عسكرية انبثقت عن ميليشيا الجنجويد التي عملت في دارفور بغرب السودان. وتنفي الحكومة أن تكون قوات الدعم السريع ارتكبت أي مخالفات.

وشارك حميدتي مثل البرهان في الإشراف على القوات المسلحة السودانية التي تحارب في اليمن. وكان أيضا شخصية بارزة في دائرة حكم البشير لكن ميوله الإسلامية غير معروفة.

عمر زين العابدين

أما الفريق أول ركن عمر زين العابدين فكان نائب رئيس التصنيع الحربي وقُدم على أنه رئيس اللجنة السياسية للمجلس العسكري بقيادة بن عوف في أول مؤتمر صحفي للمجلس بعد الإطاحة بالبشير.

ويبقى رئيسا للجنة السياسية في المجلس العسكري تحت قيادة البرهان وينظر إليه على نطاق واسع على أنه الخبير الاستراتيجي السياسي للمجلس. ويعتقد على نطاق واسع أيضا أن له ميول إسلامية.

جلال الدين الشيخ

وبالنسبة للفريق ركن جلال الدين الشيخ فقد كان ضابطا في الجيش أعاده البشير من التقاعد وقام بترقيته إلى منصب نائب مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني في فبراير/شباط.

وكان نائبا لصلاح عبدالله محمد صالح المعروف باسم صلاح قوش الذي قدم استقالته من قيادة جهاز الأمن والمخابرات الوطني يوم الجمعة الماضي. وكان ينظر إلى قوش على أنه أقوى شخص في البلاد بعد البشير وحمله المحتجون مسؤولية قتل المتظاهرين المطالبين بإنهاء الحكم العسكري.

ويُعتقد على نطاق واسع أن الشيخ له ميول إسلامية. وتخرج الشيخ في كلية عسكرية في نفس العام مع البرهان وزين العابدين وتربط الثلاثة علاقات وثيقة.

الطيب بابكر علي فضيل

وفي ما يخص الفريق أول شرطة الطيب بابكر علي فضيل فقد ولد في قرية إلى الشمال الشرقي من العاصمة الخرطوم وشق طريقه ليتدرج في قوات الشرطة في البلاد إلى أن قام البشير بترقيته إلى مدير عام الشرطة السودانية في 2018.

ويكافح هؤلاء الضباط على الرغم أنهم من رموز النظام السابق لقيادة مرحلة انتقالية صعبة ومعقدة في ظل استمرار الاحتجاجات المطالبة بحل المجلس.

وإلى حدّ الآن لم يلجأ المجلس لفض الاعتصامات بالقوة ساعيا لاحتوائها عبر الحوار مخافة أن يفقد الدعم الغربي والعربي وخشية أن تتحول الاحتجاجات السلمية إلى فوضى عارمة تغرق السودان وقد تتعدى حدوده إلى دول مجاورة مضطربة أصلا وتعاني من أوضاع هشّة.