السودان واللا دولة، خرائط تقسيم بالدم والنار

عندما تعجز العاصمة عن تقديم الأمن والتنمية، وتحتكر النفوذ، يتحول المواطن تلقائياً نحو القبيلة أو الإقليم بحثاً عن الحماية.

دخلت الحرب في السودان عامها الرابع دون أن تكون في الأفق أي بادرة إيجابية لإنهاء هذا الصراع الدامي، وقبل بضع سنوات، كان هذا البلد على موعد مع مستقبل مزدهر مدعوماً بثرواته الزراعية، الحيوانية، التعدينية والنفطية.

المعضلة التي يواجهها هذا البلد، أن سلوك بعض أطراف الصراع تصب فى خانة الانفصال وليس الحل، حيث يتمثل هدفهم في المقام الأول توفير الدعم العسكري اللازم استعداداً لحرب طويلة الأجل تتحول بنتائجها خطوط النار إلى حدود تقسيم على الأرض.

في عام 2011، روجت النخبة الحاكمة والقوى الدولية لسيناريو أن انفصال جنوب السودان سيجلب السلام المستدام وما تبقى من الدولة سيكون أكثر تجانساً واستقراراً، لكن الواقع أثبت العكس تماماً؛ الانفصال لم يكن نهاية المطاف، بل كسر أحد أبرز المحرمات السياسية المتمثلة في وحدة الدولة السودانية. وقدم نموذجاً عملياً ومغرياً لحركات الهامش الأخرى بأن السلاح والضغط يمكن أن يؤديا إلى نيل سلطة مستقلة كاملة، مما جعل فكرة التفكيك قابلة للتكرار.

ورغم أن جنوب السودان يعيش حالة "تفتت غير معلن" وتفكك في السيادة المركزية، والتهديد بالانقسام إلى كانتونات قبلية أو أقاليم مستقلة، إلا أن بعض الفاعلين المحليين ما زالوا ينظرون إلى إعادة تشكيل الدولة عبر كيانات منفصلة باعتبارها مخرجاً محتملاً.

ويبقى إقليم دارفور الأكثر ترجيحاً للانزلاق نحو هذا السيناريو، فالصراع هناك له جذور تاريخية وقانونية (منذ عام 2003) تغذى على مظالم التهميش الاقتصادي والسياسي من قبل المركز. وحالياً تحول الصراع بفعل الحرب إلى فرز إثني حاد (عربي ضد مجموعات غير عربية).

كما أن سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من الإقليم، ومحاولتها إنشاء سلطة إدارية وعسكرية موازية هناك، يدفع بالإقليم نحو الانفصال الفعلي. ولا توجد حتى الآن دعوات رسمية علنية أو حركات سياسية تطالب بـ"انفصال قانوني صريح" لتأسيس دولة مستقلة معترف بها، لكن المعطيات الميدانية والسياسية تكرس واقعاً يتجه نحو "الانفصال الفعلي" أو التقسيم الإداري والأمني للأمر الواقع، مما يجعل العودة لطاعة الخرطوم أمراً يرفضه السلاح القائم هناك.

في المقابل شرق السودان وولاية كسلا، ومخاوف الانفصال فيها محدودة، وليست بمستوى ما يحدث في دارفور. ولو حدث سيكون على أساس جيوسياسي وقبلي، فهي تعاني أيضاً من التهميش التنموي ذاته، لكن خطورته تكمن في موقعه الجيوسياسي (ساحل البحر الأحمر والموانئ). الأساس هنا هو استقطاب قبلي حاد بين المكونات المحلية (مثل البجا وبني عامر)، حيث يرى كل طرف أن صراعه وجودي لتأمين حدوده وجغرافيته.

هذا الجزء من شرق السودان هو ساحة التكالب الدولي الأكبر. القوى الإقليمية والدولية الطامحة في موطئ قدم على البحر الأحمر أو إنشاء قواعد عسكرية تجد في إقامة "كيان منفصل أو حكم ذاتي" في الشرق وسيلة أسهل بكثير لتمرير عقود الموانئ والاتفاقيات الأمنية، بدلاً من التفاوض مع دولة مركزية قوية في الخرطوم.

المبرر المشترك الذي يغذي هذه النزاعات هو "سقوط مفهوم الدولة الراعية". عندما تعجز العاصمة عن تقديم الأمن والتنمية، وتحتكر النفوذ، يتحول المواطن تلقائياً نحو القبيلة أو الإقليم بحثاً عن الحماية.

هذا التمترس خلف الهويات الصغرى، مدعوماً بالسلاح المتوفر وبتمويل خارجي يبحث عن وكلاء محليين، يجعل عوامل التفتيت تتسارع بصورة يصعب احتواؤها أو عكس مسارها.

المشهد الحالي أننا لم نعد أمام جيش نظامي وقوات متمردة فحسب، بل أمام خريطة عسكرية مشوهة تضم حركات مسلحة متعددة ذات منطلقات جهوية، وميليشيات قبلية، وقوات الدعم السريع، والجيش. كل قوة من هذه القوى تبسط سيطرتها على رقعة جغرافية محددة وتنشئ فيها سلطة أمر واقع (إدارياً واقتصادياً).

تآكلت الهوية الوطنية والنسيج المجتمعي، وتجاوزت الأزمة مرحلة الخلاف السياسي إلى مرحلة "الشرخ الوجودي"، فالاستقطاب القبلي الحاد وحملات التطهير العرقي في دارفور ومناطق أخرى، ولدت حالات ثأر تاريخية عميقة بين المكونات المجتمعية. هذا الدمار في السلم الأهلي يجعل العيش المشترك تحت مظلة هوية سودانية جامعة أمراً غير مقبول شعبياً لدى أطراف واسعة.

أمراء الحرب في السودان لم يعودوا بحاجة إلى قرار من المركز للاستمرار. اقتصاديات الحرب (تهريب الذهب، السيطرة على المعابر، تجارة السلاح، والدعم المالي والعسكري المباشر من القوى الإقليمية) منحت أطراف الصراع قدرة على التمويل الذاتي المستدام.

هذا الارتهان قلّص استقلالية ما تبقي من القرار السيادي السوداني لصالح أجندات خارجية قد ترى في تفتيت السودان إلى دويلات ضعيفة خياراً أفضل لمصالحها من وجود سودان موحد وقوي.

عوامل إعادة بناء الدولة تتطلب وجود مشروع وطني ونخبة سياسية تحظى بإجماع أو قبول واسع. في الحالة السودانية الحالية، تعاني القوى المدنية والسياسية من تشرذم حاد وضياع للمصداقية في الشارع، وعجز كامل عن التأثير على الأرض أو تقديم خارطة طريق واقعية تلزم القوى العسكرية، مما يترك الساحة تماماً لديناميكيات السلاح والتقسيم.

الآن السودان على تخوم اللا دولة بعد تفكك مؤسساته الأمنية والسيادية.. فهو فعلياً في مرحلة يصعب إن لم يكن من المستحيل استعادته مرة أخرى. فالحرب الحالية لم تعد صراعاً تقليدياً على كراسي الحكم في الخرطوم، بل تحولت إلى ديناميكية تفتيت ذاتية تملك على الأرض مخالب وموارد ضخمة، تفوق بكثير الشعارات السياسية الهشة التي تنادي بإعادة توحيد الدولة. وعوامل الهدم باتت أقوى بكثير من دعائم البناء، والخريطة السودانية اليوم يعاد رسمها بالسلاح والدم بناء على معطيات قبلية وجيوسياسية واضحة المعالم.

حتى الآن ترفض القوى الدولية والإقليمية بشكل قاطع أي توجهات لتقسيم السودان أو الاعتراف بكيانات منفصلة، لكن المشهد الدولي يتغير وتتعدل معه الصيغ التوافقية، وما هو مرفوض الآن ربما يصبح غداً سبباً للبقاء عندما تلتقي المصالح.