السوق الثقافية عندما تصبح صينية

الباحثان الصينيان جانغ شياو مينغ وخوي مينغ: انفتاح السوق الثقافيَّة يسير متزامن الخطى مع الإصلاح والانفتاح.
في عام 2003 بدأت الأعمال التجريبية لإصلاح النظام الثقافي بالصين
قطاع الصناعات الثقافيَّة في الصين شهد تحولًا من قطاع صناعات تقليدية إلى قطاع صناعات ناهضة جديدة

أكد الباحثان الصينيان جانغ شياو مينغ وخوي مينغ في كتابهما "نهضة القطاع الثقافي في الصين" أنه حان الوقت لتأسيس سوق صينية ثقافية حديثة، وقالا "نحن نرى، انطلاقًا من روح الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزيَّة الثامنة عشرة للحزب الشيوعي الصيني، أنه لا بدَّ وأن يكون جوهر هدف "بناء نظام سوق ثقافية سليم" هو في العلاقة الصحيحة بين الحكومة والسوق الثقافيَّة بحيث تلعب السوق الثقافيَّة دورًا حاسمًا في تخصيص الموارد؛ لذلك من تحليل اتجاه التنمية، فإن العلاقة بين الحكومة والسوق في مجال السوق الثقافيَّة يمكن أن تُبنى على ثلاث نقاط أساسية، ألا وهي: "التدخل السلبي" هو الأساس، والتدخل الإيجابي عامل مساعد، والتدخل اللامحدود حالات فردية.
ويبدأ الكتاب الصادر عن دار صفصافة ضمن سلسلة "قراءات صينية" التي يشرف عليها د. حسانين فهمي حسين أستاذ اللغة الصينية وبترجمة د. نجاح عبداللطيف الأستاذ بكلية الألسن، من تمشيط المرحلة التاريخيَّة من تطور السوق الثقافيَّة الصيني، فهو أولًا يناقش تاريخ تطور السوق الثقافيَّة في الصين وسمات مرحلة التنمية الحالية، ثم يناقش ويبحث في الإطار النظري لنظام السوق الثقافيَّة، وأخيرًا، يحلل ما في بناء نظام السوق الثقافيَّة في الصين من مشكلات، ويُجري مزيدًا من المناقشة والبحث في الحلول المُمكنة، ويركز على الحلقات الأساسية الأربع للسوق الثقافية؛ المستهدف من المعاملات التجاريَّة "المنتجات والخدمات الثقافيَّة"، وطرفي المعاملات التجاريَّة "المنتج والمستهلك"، والوسيط بين المنتج والمستهلك "مختلف الوكالات المتخصصة" وبيئة المعاملات التجاريَّة.

استمر صعود الصناعات الثقافيَّة ورواجها أكثر استفادة من القوة الدافعة لسياسة إصلاح النظام الثقافي لتصل سرعة تطورها إلى ارتفاع غير مسبوق

كما يبحث – أيضًا - في خصائص السوق الثقافيَّة التي تميِّزه عن الأسواق الأخرى راجيًا أن يضع بهذا أساسًا لوضع إطار لتحليل السوق الثقافيَّة، ومن ثَمَّ يمكن استخدام هذا الإطار التحليلي في الإجابة عن سلسلة من الأسئلة الموجودة في بناء السوق الصينية الثقافية في الوقت الحاضر، ووضع السياسات التي من شأنها تعميق الإصلاح.
مسيرة السوق الثقافة 
رصد الباحثان مسيرة السوق الثقافية في الصين حيث أشارا إلى أن الصين أسست بعد عام 1949 نظام "الاقتصاد الموجَّه، وشكلت تدريجيًّا ثلاثة أجهزة عامة كبرى هي الدوائر الحكومية، والمؤسسات المملوكة للدولة، وجهات الأعمال، وتشمل الأخيرة أجهزة التعليم والعلوم والثقافة والصحة والرياضة، وكانت الأجهزة الثقافيَّة - شأنها في ذلك شأن سائر الدوائر العامة التي تخضع للحكومة بشكل مباشر - تحت قيادة الحزب، ولأن الثقافة تتمتع بسمة "الأيديولوجية"، فقد أطلق على المجال الثقافي "مجال نشر الثقافة". 
وبعد عام 1978، ومع عملية الإصلاح والانفتاح المستمر، بدأ "النظام الموجَّه" في مجال الثقافة يتحول تدريجيًّا، والسوق الثقافيَّة يظهر – أيضًا - تدريجيًّا، وفي عام 1988، أصدرت وزارة الثقافة والهيئة القومية للصناعة والتجارة معًا "الإشعار المتعلق بتعزيز أعمال إدارة السوق الثقافيَّة"، ليظهر لأول مرة في الوثائق الحكومية مصطلح "السوق الثقافيَّة"، وفى عام 1992، طرح الرفيق جيانغ تسه في تقرير المؤتمر الوطني الموسع الرابع عشر للجنة المركزيَّة للحزب الشيوعي بكل وضوح ضرورة "تحسين السياسات الثقافيَّة والاقتصادية"، فتشكلت السمات الأساسية لسياسة "المسار المزدوج" للسوق الثقافية الصينية، ويتمثل الهدف الأساسي لهذه السياسة في تحرير الخدمات القائمة على تحصيل الرسوم، ومنح الأفراد ومؤسسات الإنتاج الثقافي استقلالًا ذاتيًا يتزايد يومًا بعد يوم، مع الحفاظ على الكيان الجزئي للسوق - نظام "جهات الأعمال الثقافيَّة" وعدم المساس به، وقد أثارت هذه السياسة الحماسة للإنتاج والإبداع الثقافي، وأدت إلى ارتفاع ملحوظ في القدرة الإنتاجية الثقافيَّة والازدهار المستدام في السوق الثقافيَّة.

وأضاف جانغ شياو مينغ وخوي مينغ أنه بعد عام 2000 تغير الوضع بسرعة، فمن أجل مواجهة تحديات فتح تجارة الخدمات بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالميَّة، اقترحت الدورة الكاملة للجنة المركزيَّة الخامسة عشرة للحزب الشيوعي الصيني تطوير الصناعات الثقافيَّة، فبدأ إدراج عدد كبير من جهات الأعمال الثقافيَّة التجاريَّة في النطاق الذي تدعمه سياسات الدولة، وفي عام 2003 بدأت الأعمال التجريبية لإصلاح النظام الثقافي، وفي 2006 كانت بداية تعميم إصلاح النظام الثقافي في البلاد كلها، وباعتبار "الصناعات الثقافيَّة" و"الأعمال الثقافيَّة" كيانين للسوق الثقافية، فقد دخلا معًا رسميًّا في الخطة الموحدة "لتصنيفات الإصلاح"، وبدأت السوق الثقافيَّة في الانفتاح من الجزئيَّة إلى الكليَّة ليشمل عموم البلاد كلها، وفي عام 2012، عُقد المؤتمر الوطني الموسع الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، وتحت عنوان "إنشاء نظام السوق الثقافيَّة وتحقيقه"، أجرى مناقشة خاصة، الأمر الذي يعني الطرح الرسمي لهدف بناء سوق ثقافية.
ولفتا إلى أنه في ظل 35 عامًا هي عمر الإصلاح والانفتاح في بلادنا، دخل بناء السوق الثقافيَّة عملية الإصلاح والانفتاح برمتها، وفي ظل التعميق المستمر لإصلاح النظام الثقافي في العصر الجديد، أظهر بناء السوق الثقافيَّة سمات واضحة لمرحلة جديدة في تطور الإصلاح محورها التوجه نحو "بناء نظام سوق ثقافية سليم"، لقد بدأت التنمية الثقافيَّة في الصين الفترة التي تسيطر فيها آلية السوق تدريجيًّا على الموارد الثقافيَّة، وأصبح بناء السوق الثقافيَّة حلقة وصل مركزية. 
وأخيرا يذكر المؤلفان في خاتمة الكتاب أنه:  لدينا بالفعل سوق ثقافية في منتصف الطريق، وإن كان "غير سليم" تمامًا، ولا تزال أجزاء كثيرة منه لم "تُبنَ" حتى الآن، بل ولم يتحول بعد إلى "نظام"، إلا أنه في الأول والآخر جاء ثمرة للتطور والإصلاح عبر جهود مضنية، إن علينا أن نواصل جهودنا لإنجاز هذه المهمة.
تطوير السوق الثقافية
وقال الباحثان إن الصين تعد دولة (متطورة بتحول النمط)، ولم تتشكل صناعاتها الثقافيَّة في عملية التطور التلقائي لسوق الثقافة وإنما في عملية زيادة فرص دخولها السوق وانفتاح سوقها تدريجيًّا تم تعزيز تطور صناعتها الثقافيَّة من خلال السياسات، الأمر الذي نتج عنه وقوع السوق الثقافيَّة وقطاع الصناعات الثقافيَّة فترة طويلة في عملية تتطلب ضبطًا مستمرًّا للعلاقة بينهما، وما يحتاج إلى الانتباه له هو أننا لا ننفصل عن قواعد اقتصاد السوق مبالغين في التأكيد على دور سياسة الصناعات، ولا يمكننا في الوقت نفسه أن ننفصل عن إطار السياسة وحدودها لنتكلم بشكل مجرد عن سوق الثقافة؛ فلقد أثبت الواقع أنه في الحالة الأولى من السهل أن تظهر ظاهرة "الفقاقيع أو الرغاوي" عدم معقولية أسلوب التطور، أما الحالة الثانية فدائمًا ما تغفل خصوصية بيئة النظام الصيني وتغرق في كلام أجوف.  

حان الوقت لتأسيس سوق صينية ثقافية حديثة
تاريخ تطور السوق الثقافيَّة في الصين 

وأوضحا أنه حسب المفهوم العام، فإن سياسة الصناعة هي تدخُّل الدولة في السوق، وهي نوع من أنواع استراتيجيات التطور عند الدول اللاحقة في التقدم لتلحق بالدول السابقة فيه، وفي الدول ذات منظومة اقتصاد سوق صحيحة ومتكاملة فإن سياسة الصناعات تستطيع دائمًا سد العيوب والثغرات لتشكل نقاط نمو استراتيجية للصناعة ولتعزيز التطور السريع للاقتصاد الوطني، ولكن إذا لم تكن منظومة اقتصاد السوق متكاملة وصحيحة، فإن سياسات الصناعة يمكن أن تنفصل عن متطلبات السوق، والانحراف عن قواعد السوق من شأنه أن يسبب خطأ في تخصيص الموارد.
إن انفتاح السوق الثقافيَّة في بلادنا يسير تقريبًا متزامن الخطى مع الإصلاح والانفتاح، ولكن بناء نظام سوق ثقافية بناءً كاملًا جاء متأخرًا نسبيًّا، ومن ثَمَّ فإن "نظام ازدواج المسار" الذي ظل مطبقًا فترة طويلة أدى إلى عزلة في السوق وتشوه في الأسعار وسعي الحكومة وراء تحقيق أرباح احتكارية وثبوت سعر الفائدة وعدم وجود حدود فاصلة واضحة بين الحكومة والسوق، وبين الحزب والحكومة، وبين سلطة الدولة العامة وحق إدارة المؤسسة، وبين العمل الحكومي والهوى الشخصي، وبين الحكومة ومنظمات الوساطة في المجتمع، لهذا ظل مستوى نضج السوق متخلفًا كثيرًا عن المستوى العادي لتطور منظومة السوق في البلاد.
وأشار جانغ شياو مينغ وخوي مينغ إلى إن انفتاح السوق الثقافيَّة عملية متدرجة، تتطرق لبناء عدة أنظمة أساسية وتمس – أيضًا - مصالح كثير من الناس، ومن ثَمَّ، سوف يظل تطور الصناعات الثقافيَّة في بلادنا زمنًا طويلًا يشكل مع آليات سوق غير كاملة شدًّا، فإن حَسُنَ، فإن تحرير السوق سينشط الصناعة وسيقدم لتطويرها دافعًا لا ينقطع، وإن لم يَحسُن فإن تطوير الصناعة سينفصل عن لوائح السوق وقواعده لتصبح "الحكومة تتسلى مع نفسها"، بل وسيعمل على تقليص نطاق تخصيص السوق للموارد، ومفتاح ذلك هو في: هل نستطيع أن نتمسك حتى النهاية بإصلاح توجهات السوق ووضع سياسات تتفق واحتياجات السوق وتوسيع حيز السوق من خلال تطوير الصناعة المستمر أم لا؟ 
ومن خلال مسيرة تطور صناعة الثقافة في بلادنا منذ عام 2000، يمكننا أن نرى أن الصناعة والسوق ظلا في وضع متوتر، وكانت نقاط التجريبية في الإصلاح في النظام الثقافي عام 2003 نقطة انطلاق لتطور سريع في قطاع صناعة الثقافة، ولكن في خلال عامين فقط، أي حتى عام 2005 ظهرت في مجال لعبة الرسوم المتحركة وغيرها – تحت دفع السياسات لها - ظاهرة التقدم الفردي "الفقاقيع"، وفي 2008 اندلعت الأزمة المالية الطاحنة، فأظهرت صناعة الثقافة تنمية لافتة للأنظار على خلاف الوضع آنذاك، وجاءت "خطة النهوض بقطاع الصناعات الثقافيَّة" التي أجازتها الاجتماعات التنفيذية لمجلس الدولة بعد المداولة في 2009 علامة على أن قطاع الصناعات الثقافيَّة قد شهد تحولًا من قطاع صناعات تقليدية إلى قطاع صناعات ناهضة جديدة، لتصبح صناعات وطنية استراتيجية مثلها مثل صناعة الحديد والصلب والسيارات والغزل والنسج. 
واستمر صعود الصناعات الثقافيَّة ورواجها أكثر استفادة من القوة الدافعة لسياسة إصلاح النظام الثقافي لتصل سرعة تطورها إلى ارتفاع غير مسبوق، ولكن مع خروج سياسة التصدي للأزمة المالية للنور، أصبح التعديل الهيكلي هو المحور الأساسي للسياسة الاقتصادية، والالتقاء بين مد تنمية صناعة الثقافة لهذه الجولة مع تحول نمط التطور الاقتصادي الصيني حل بدرجة ما عناصر اللامعقولية في أسلوب التطور.