السيسي يلوّح بمخاطر متعددة تواجه مصر

تصريحات الرئيس المصري تعكس حجم الضغوط المتصاعدة التي تتعرض لها البلاد على أكثر من صعيد، من الحرب الإسرائيلية على غزة، مروراً بالأوضاع الاقتصادية الداخلية، وصولاً إلى ملفات شائكة كالإخوان وسد النهضة.

القاهرة - شدد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على أن مصر "تدرك ما يُحاك ضدها" وتتعامل مع التحديات التي تواجهها بـ"إجراءات مدروسة"، في إشارة تعكس حجم الضغوط المتصاعدة التي تتعرض لها البلاد على أكثر من صعيد، من الحرب الإسرائيلية على غزة، مروراً بالأوضاع الاقتصادية الداخلية، وصولاً إلى ملفات شائكة كالإخوان وسد النهضة.
وجاءت تصريحات السيسي خلال كلمته بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، التي ألقاها الأربعاء من مركز المنارة للمؤتمرات الدولية في القاهرة، بحضور كبار رجال الدولة، والتي اتخذت طابعًا دينيًا وروحيًا في ظاهرها، لكنها حملت بين سطورها دلالات سياسية واضحة تعكس قلق القيادة المصرية من واقع إقليمي ودولي معقّد.
وقال الرئيس المصري "أطمئن الشعب المصري العظيم على يقظتنا وإدراكنا لما يدور حولنا ويحاك ضدنا، ووقوفنا في مواجهة التحديات بإجراءات مدروسة واثقين في عون الله تعالى. ومرتكزين على صلابة شعبنا، ومعتمدين على قدراتنا، لتوفير حياة آمنة ومستقرة لمواطنينا في كل ربوع الوطن."
ورغم أن السيسي لم يفصح صراحة عن طبيعة التحديات أو الجهات المقصودة بـ"وجوه الشر"، فإن المتابعين للشأن المصري لا يخفى عليهم أن الرئيس يتحدث عن ملفات شائكة تشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن القومي المصري.

ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الاول 2023، تتابع مصر تطورات المشهد عن كثب، خصوصًا مع الضغوط المتواصلة من واشنطن وتل أبيب لفتح معبر رفح أمام موجات نزوح فلسطينية نحو سيناء، وهو ما ترفضه القاهرة بشكل قاطع، وتعتبره "خطًا أحمر" يمس بسيادتها وأمنها القومي.
وكان الرئيس السيسي قد حذر في مناسبات سابقة من أن "تصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير لن تمر"، وتنسجم تصريحاته الأخيرة حول "ما يُحاك ضد مصر" مع تلك المخاوف المتزايدة من فرض أمر واقع جديد على حدودها الشرقية. فالمشهد الإقليمي المعقد، والصمت الدولي، يعطي مؤشرات بأن مصر قد تكون هدفًا لسيناريوهات خطيرة، تتطلب "إجراءات مدروسة" كما وصفها الرئيس.
وفي موازاة التحديات الإقليمية، تواجه مصر أوضاعًا اقتصادية صعبة نتيجة التضخم وارتفاع أسعار السلع، وضغوط الديون، وتراجع قيمة الجنيه، في ظل محاولات الحكومة احتواء الأزمة من خلال التعاون مع صندوق النقد الدولي وجذب الاستثمارات الخليجية.
وتصريحات السيسي عن الاعتماد على "قدراتنا" و"صلابة الشعب" تعكس وعيًا رسميًا بضرورة تعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، وخاصة مع قرب استحقاقات مالية جديدة في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة وتأثر الشرائح الفقيرة والوسطى.
ورغم مرور أكثر من عقد على الإطاحة بحكم الإخوان في مصر، فإن خطاب السيسي لم يغفل التلميح إلى "قوى متطرفة" قد تسعى إلى استغلال الأزمات الإقليمية والداخلية لإعادة التموضع أو إشعال الفوضى. ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه الحملات الإعلامية التابعة للإخوان في الخارج، والتي تستهدف النظام المصري وتحاول التشكيك في شرعيته.
وإشارة السيسي إلى "وجوه الشر وتنوع أساليبها" قد تكون موجهة نحو تلك القوى التي تنشط في الداخل والخارج، والتي تستغل الأوضاع الإقليمية والاقتصادية لتعزيز خطابها التحريضي.
ورغم غياب ذكر مباشر لملف سد النهضة الإثيوبي، إلا أن أي حديث عن "ما يحاك ضد مصر" لا يمكن فصله عن هذا الملف الذي ظل أحد أبرز التحديات الاستراتيجية في السنوات الأخيرة. لا تزال القاهرة ترى في السد تهديدًا وجوديًا لأمنها المائي، ويُرجّح أن تظل القضية حاضرة في خلفية أي تحرك مصري داخلي أو خارجي، خاصة مع اقتراب ملء جديد للسد.
وجاءت رسائل السيسي في توقيت حساس، وتعبّر عن إدراك عميق بأن مصر ليست بمنأى عن المخاطر الإقليمية والدولية. وبين الحرب على غزة، وتهديدات التطرف، وضغوط الاقتصاد، وسد النهضة، تقف القاهرة في قلب عاصفة لا تهدأ، محاوِلة التماسك عبر "إجراءات مدروسة" لا تزال تفاصيلها طي الكتمان.