الشاعرة النمساوية الشهيرة إنجبورج باخمان لأول مرة بالعربية
تشكل هذه المختارات للشاعرة النمساوية الشهيرة إنجبورغ باخمان والتي تشارك في ترجمتها المترجمان الكاتب والناقد سمير جريس والشاعر والفنان التشكيلي يوسف ليمود أول كتاب شعري بالعربية للشاعرة التي تعد واحدة من أهم الأديبات النمساويات في القرن العشرين. كتبت الشعر والرواية والقصة القصيرة. وقد حصلت في عام 1953 على جائزة جماعة 47 الأدبية، عن مجموعتها الشعرية "الزمن المؤجل" وقد خصصت مجلة دير شبيغل نتيجة لذلك صفحة الغلاف لها. وفي عام 1956 نشرت مجموعتها الشعرية "نداء الدب الكبير" وحصلت من خلالها على جائزة مدينة بريمن الأدبية، واعتمدت مؤلفة في التلفزيون البافاري.
شملت المختارات التي قدم لها يوسف ليمود، وصدرت عن المركز القومي للترجمة بمصر، قصائد من أعمالها منذ قصائدها الأولى المبكرة وحتى قصائدها الأخير المكتوبة في الفترة من 1964 إلى 1967.
يقول ليمود في مقدمته موضحا تجربته وسمير جريس في ترجمة قصائد باخمان "على الرغم من شهرتها الكبيرة، وعلى الرغم من عشرات الترجمات ومئات الكتبوالدراسات التي كُتبت عنها في لغات العالم المختلفة، لا يكاد القارئ العربي يعرف اسم إنجبورغ باخمانإذ لم يترجم من أعمالها إلى العربية سوى المجموعة القصصية"العام الثلاثون"، أما شعرها فلم يُترجم منه، حسب علمنا، سوى نثار يُعد على أصابع اليد الواحدة، وتم ذلك في الغالب عبر لغة وسيطة، وليس من الأصل الألماني. ولعلها المرة الأولى هنا، التي يشترك فيها مترجمان، لغتهما الأم هي العربية، في ترجمة كتاب شعرمن لغة أخرى. المألوف أن تكون العربية لغة أحدهما الأم، والمتر َجم منها هي اللغة الأم للآخر. السؤال هو ما جدوى هذه التجربة وقد كان بإمكان أحدهمها أن يقوم بالمهمةمنفردًا؟ النص المترجم وما مر على مسوداته من تعديلات كان الجواب.
ويضيف "ترجم كل منا نصف القصائد وأرسله للآخر ليُعمل فيه ملاحظاته واقتراحاته، خصوصا في بعض الكلمات أو السطور الملتبسة، المتناثرة في العديد من قصائد باخمان، خاصة الملحمي منها. عبر هذه التبادلية أخذت النصوص المترجمة شكلها شبه الأخير. وكان قد أوكل لي سمير مهمة الصياغة النهائية لتعميد النصوص كلها في ماء واحد، مثلما أوكللي مهمة كتابة هذه المقدمة. لا يفوتنا هنا أن نقدم الشكر للشاعر المغربي حسن نجمي الذي قام بمقارنة العديد من القصائد بالترجمة الفرنسية وإبداء ملاحظاته التي أفدنا من بعضها.
ويؤكد ليمود أن الشاعرة النمساوية إنجبورج باخمان تعتبر إحدى القامات العالية التي شكلت حساسية الأدب الناطق بالألمانية لجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك الجيل الذي حمل ذنب كونه ابنا لمن صنعوا المأساة. ولدت باخمان في 1926 في أسرة سعيدة في ظل أب كان يعمل ناظر مدرسة، ورفقة أخ وأخت في بيت ريفي وحديقة، إلى أن جاءت الصدمة الأولى التى ستهز هذا الكيان الصغير بعنف لحظة سماع هدير جحافل هتلر وهتافاتهم وهم يجوبون الشوارع بعد اجتياحهمالنمسا. كانت في سن الثانية عشرة يومذاك. سوف يصير الخراب الشامل الذي وقع بعد ذلك المادةَ الرئيسية التي ستُفجر باخمان في لحمها إمكانات اللغة. لفتت باخمان الأنظار إليها سنة 1953 بديوانها "الزمن المؤجل" الذي حصلت به على جائزة جماعة47، وهي الرابطة التي أسسها جيل أدباء ما بعد الحرب، وكان من أعضائها، الروائي الألماني جونتر جراس والشاعر الروماني، اليهودي، بول سيلان، الذي كان سجينًا وقت الحرب ورحل إلى فيينا 1947 حيث التقى باخمان وجمعتهما علاقة حب جارف سرعان ما خبا. وعلى الرغم من هجرة سيلان إلى باريس وزواجه من فنانة الجرافيك الفرنسية جيزيل دو ليسترونغ، ظال يتبادلان الرسائل والأخبار الأدبية حتى انتحاره سنة 1970 بإلقاء نفسه في نهر السين.
ويتابع "سوف تترسخ شهرة باخمان بديوانها الثاني"نداء الدب الأكبر" 1956 ومجموعتين قصصيتين" "العام الثلاثون" 1961، و"ثلاث طرق إلى البحيرة" 1972، كذلك روايتها الوحيدة المكتملة "مالينا" 1971، وكتابتها نصي أوبرا بالتعاون مع مؤلف الموسيقى الألماني هانز فيرنر هينتسه، الذي حول بعض قصائدها إلى أعمال موسيقية، جلبت لهماشهرة عالمية. وكانت علاقة عاطفية قد ربطت بينهما على الرغم من مثلية هينتسه.
ويوضح ليمود أن المقاطعة الحدوديةبالقرب من سلوفينيا وإيطاليا، التي نشأت فيها باخمان، فتحت وعيها المبكر على فكرة الحواجز التي ستتحول فيما بعد إلى أحد الهواجس في شعرها، كذلك دراستها الفلسفة، التي حصلت فيها على الدكتوراة، ودراستها علم النفس، سيضفيان على شعرها بعدا فلسفيا يتحد فيه الشخصي بالعام، من السؤال الوجودي ومحدودية الانسانوالموت، إلى رؤى يوتوبية تتداخل فيها صور من العنف الواقعي الحي، عبر لغة ممسوسةبروحانية عميقة استلهمت كثيرا من رموزهامن ميراث العهد القديم والحكايات الأسطورية. كذلك ملالمستها في أعمالها النثرية موضوعات الجندر والنسوية كانت ملهمةًودافعة للحركة النسوية في ألمانيا ما بعد الحرب.
ويلفت إلى أن انتهاء علاقتها، التي دامت سنوات، بالأديب السويسري ماكس فريش في1962، لخياناته، ترك جرحا غائرا في نفسها لن تشفى منه حتى رحيلها بعد ذلك بأكثر من عشرسنوات. أثناء إقامتها في روما اندلع حريق في غرفة نومهابسبب عقب سيجارة نقلت إثره إلى المستشفى لترحل، بعد ثلاثة أسابيع في العناية المركزة، وهي في السابعة والأربعين. بعد رحيلها بأربع سنوات، أي في1977 تم تأسيس جائزة سنوية تحمل اسمها تعتبر اليوم من أهم الجوائز الأدبية، كما أنشأت جامعة لندن مركًزا يحمل اسمها"مركز إنجبورج باخمان لدراسات الأدب النمساوي في القرن العشرين".
من قصائد المختارات
** الزمن المؤجل
أيام أكثر قسوة سوف تجيء.
الزمن المؤجل إلى حين
يلوح في الأفق.
عما قريب سيكون عليك أن تربط حذاءك
وتنادي على الكلاب كي تعود إلى الفناء.
حيث أحشاء الأسماك
قد بردت في الريح.
زهرة الترمس يخفت نورها.
تترك نظرتُك أثراً في الضباب:
الزمن المؤجل إلى حين
يلوح في الأفق.
في الجهة الأخرى تغوص حبيبتك في الرمال،
وهو يصعد فوق شعرها المتطاير
يقاطعها،
يأمرها بالصمت،
يجدها فانية
مستعدة للوداع
بعد كل عناق.
لا تلتفت.
اربط حذاءك.
أعدِ الكلاب.
ألق السمك في البحر.
وأطفئ زهور الترمس!
أيام أكثر قسوة سوف تجيء.
** خلف الجدار
عالقة أنا كثلج على الأغصان
في ربيع الوادي،
كنبعٍ باردٍ أشق طريقي في الريح،
مبتلًة أسقط كقطرة
على الزهور
التي تتعفن حولها
كأنها حول مستنقع.
أنا من تفكر في الموت بلا انقطاع.
أطير، لأني لا أستطيع السير بهدوء،
عبر أبنية السماوات الآمنة
أُطلق السهام وأحفر الشقوق في الجدران.
ولأني لا أستطيع النوم ليلًا،
أحذّر الآخرين بهدير البحر البعيد.
أصعد إلى فوهة الشلالات،
ومن الجبال أُطلق رعود الأحجار.
أنا طفلة خوفِ العالم العظيم،
الذي يحوم فوق السلام والغبطة
كدقات الأجراس في خطو النهار
وكالمنجل في الحقول الناضجة.
أنا من تفكر في الموت بلا انقطاع.
** مازلت أخشى
ما زلت أخشى أن أقيدك بخيط أنفاسي،
أن أغطيك برايات الحلم الزرقاء،
وعلى أبواب ضباب قصري المظلم
أوقد المشاعل حتى تجدني...
ما زلت أخشى أن أحررك من ألق الأيام،
من المنحدر الذهبي لنهر الزمن المشمس،
عندما يفيض قلبي بالفضة
على وجه القمر المرعب.
ارفع وجهك ولا تنظر إلي!
الرايات تتنكس، ونيران المشاعل تخبو،
والقمر يرسم مساره.
لقد حان الوقت لتأتي وتمسك بي، أيها الجنون المقدس!
** أخوة
كل ما نفعله ينكأ الجراح،
وأحد لم يغفر لأحد.
مجروحة مثلك وجارحة،
عشتُ من أجلك.
اللمسة الصافية، لمسة الروح،
تكثفها كل لمسة،
نختبرها ونحن كهول،
بعد أن عدنا إلى الصمت الثلجي.
** منفى
أنا ميت يمشي
مسجل في اللا مكان
مجهول في مملكة الموظفين
فائض في المدن الذهبية
والريف الآخذ في الاخضرار
مقصي منذ زمن طويل
لم أمنح شيئا
سوى الريح والوقت والصوت
أنا من لا يقدر على الحياة بين الناس
أنا مع اللغة الألمانية
هذه السحابة من حولي
أرعاها كما لو كانت بيتًا
وأدفع بها عبر كل اللغات
آه كم اكفهرت السماء
الغمام المعتم، وقع المطر
قليل فقط ما يسقط
إلى بقاع أكثر نورا سيصعد الغمام بالميث.