الشرع يبدد التكهنات بشأن تدخل سوري ضد حزب الله

الرئيس السوري يؤكد أنه من غير المنطقي فتح نقاش بين اللبنانيين والسوريين حول تبعية مزارع شبعا قبل تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي.

دمشق - نفى الرئيس السوري أحمد الشرع، السبت، "شائعات" بشأن تدخل بلاده في لبنان، وكشف أن البلدين ارتأيا تأجيل الحوار التفصيلي بشأن ترسيم الحدود، والتركيز في هذه المرحلة على أولويات أخرى، بينها تطوير الربط الاقتصادي ودعم التنمية وذلك ردا على تقارير تتحدث عن طلب أميركي للسلطات السورية بالتدخل عسكريا ضد حزب الله.
وقال الشرع في كلمة ألقاها الشرع خلال لقائه في العاصمة، وفدا من وجهاء وأعيان محافظة ريف دمشق، بثتها وكالة الأنباء السورية "سانا" "في موضوع الحدود مع لبنان، لا بد أولا من الإشارة إلى أن لبنان يمر بمرحلة حساسة للغاية، في ظل الضغوط المرتبطة بالحرب الإسرائيلية وتداعياتها، وهذا ينعكس بطبيعة الحال على سوريا كما ينعكس بشكل كبير على الوضع اللبناني نفسه".
وبحسب ما أوردته مصادر دبلوماسية، فإن الإدارة الأميركية كثفت اتصالاتها مع القيادة السورية منذ اندلاع المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في الثاني من مارس/آذار الماضي، سعيا إلى استكشاف إمكان اضطلاع دمشق بدور يساعد في الحد من نفوذ الحزب داخل لبنان.
وكشفت المعطيات المتداولة خلال الأشهر الأخيرة عن وجود مساع أميركية لدفع الإدارة السورية الجديدة إلى لعب دور أكثر فاعلية في مواجهة الحزب المدعوم من طهران غير أن دمشق تبدو حريصة على تجنب الانزلاق إلى صراع مباشر أو التحول إلى طرف في المواجهة الدائرة على الساحة اللبنانية.
وتتعلق المقترحات بدور أمني سوري في المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا. كما أثارت تصريحات لترامب جدلا عندما أشار إلى أن الشرع قد يكون مستعدا للمساعدة في إيجاد تسوية للصراع اللبناني بمواجهة وكلاء طهران.
لكن الرئيس اللبناني جوزيف عون أبدى اطمئنانه إلى مقاربة الرئيس السوري للملف اللبناني، معتبرا أن الأخير يدرك تعقيدات الساحة اللبنانية وحساسياتها السياسية والأمنية، وهو ما يجعله بعيدا عن أي خطوات قد تؤدي إلى التورط في أزمات البلاد الداخلية او ما وصفها بالانجرار الى " الوحول" اللبنانية،
وتحدث الشرع عن ترسيم الحدود مع الجنب اللبناني قائلا إن "ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان مشكلة عالقة منذ عام 1946، أي منذ قيام لبنان بصيغته الحالية، وهو ملف بالغ التعقيد".
واستدرك بأن الجانب اللبناني طرح هذا الملف "في أكثر من مناسبة"، غير أن سوريا ترى أن "هناك أولويات أخرى في العلاقة بين البلدين ينبغي التعامل معها أولا".
ولفت إلى أن "العلاقة السورية اللبنانية بُنيت في مراحل سابقة على أسس غير سليمة، وهناك جرح لبناني بسبب التدخلات السورية في لبنان، كما يوجد جرح سوري بسبب تدخلات حزب الله في سوريا" متابعا "لذلك رأينا أن من الأفضل تأجيل الحوار التفصيلي في مسألة ترسيم الحدود في هذه المرحلة".

يوجد جرح سوري بسبب تدخلات حزب الله في سوريا

ورأى الشرع، أن ملف الحدود "يزداد تعقيدا في قضية مزارع شبعا، فجزء منها ما زال تحت الاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه يوجد خلاف بين السوريين واللبنانيين بشأن تبعيتها" موضحا أنه "من غير المنطقي فتح هذا النقاش الآن، قبل تحريرها أصلا من الاحتلال، ثم يمكن بعد ذلك بحث تبعيتها بهدوء".
وأوضح أن "هناك أيضا مشكلات موضوعية كثيرة في ملف الحدود السورية اللبنانية، منها تداخل القرى والمناطق، واحتمال أن يؤدي فتح هذا الملف الآن إلى إثارة نزاعات جديدة بين البلدين، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التهدئة لا إلى فتح بوابات صراع إضافية".
وشدد على أن "الأولوية اليوم هي أن يستفيد لبنان من الحالة السورية الجديدة بما يساعد على تعزيز الاستقرار، وتطوير الربط الاقتصادي، ودعم التنمية، والمساهمة في بعض الإصلاحات التي يحتاجها، والتي تستطيع سوريا أن تقدم فيها خدمات وتسهيلات مهمة".
وأضاف الشرع: "لذلك، لا أعتقد أن هناك حلولا قريبة لملف الحدود في المرحلة الحالية. هذا الملف يحتاج إلى شرح أوسع، وتفصيل أكبر، وظروف أكثر هدوءا".
وأردف: "لدينا اليوم أكثر من مليون و400 ألف نازح سوري داخل لبنان، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه نحو 4 ملايين، وهذا بحد ذاته يمثل مشكلة كبيرة لا يوجد لها أفق حل واضح حتى الآن" متابعا "في الوقت نفسه، ما زال البعض يروج شائعات عن تدخل سوري في لبنان، وهذا غير صحيح".
وقال "ما نطرحه دائما هو وقف الحرب، وتقوية مؤسسات الدولة، وتعزيز الربط الاقتصادي، وتهدئة الأوضاع في لبنان قدر الإمكان".
وتعود جذور النزاع الحدودي بين لبنان وسوريا إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين خضعت المنطقة للانتداب الفرنسي الذي رسم الحدود بين "دولة لبنان الكبير" التي أُعلنت عام 1920 وسوريا.
وعند استقلال لبنان في أربعينيات القرن الماضي، اعتُمدت الحدود التي رسمها الفرنسيون، لكن نقاطا حدودية عدة بقيت غير واضحة أو محل خلاف بين البلدين.
وتُعد منطقة مزارع شبعا من أبرز المناطق المتنازع عليها، إذ بقيت تحت سيطرة إسرائيل، التي انسحبت من جنوب لبنان عام 2000، على اعتبار أنها أرض سورية، بينما تصر بيروت على أنها لبنانية.
كما تسجل خلافات على مناطق حدودية في شرق لبنان، بينها القموعة ومناطق في بعلبك الهرمل، بسبب عدم وضوح المعالم الحدودية.
أما بحريا، فما تزال الحدود غير مرسّمة، ما يثير إشكاليات بشأن حقوق التنقيب عن النفط والغاز.
وفي عام 2008، أعلنت سوريا ولبنان تشكيل لجنة مشتركة لترسيم الحدود، لكن التقدم ظل بطيئا بسبب التوترات السياسية والأمنية.
ومع اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد عام 2011، توقفت معظم الجهود الرسمية، رغم وجود مؤشرات على استمرار بعض قنوات التواصل.
وعقب تسلم الإدارة السورية الجديدة زمام الحكم، إثر الإطاحة بنظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، عادت قضية ترسيم الحدود مع لبنان إلى الواجهة مجددا.