الشمس لا تخلف موعدها على معابد أبوسمبل

الشمس تتعامد صباحا على قدس الأقداس وتضيء وجه الملك رمسيس الثاني في إطار الظاهرة الهندسية والفلكية التي تتكرر داخل المعبد يومي 22 شباط، و22 تشرين الاول في كل عام.


ظاهرة فلكية تتكرر مرتين بالعام


المصريون القدماء حين أرادوا التعبير عن القوة العظيمة للشمس،أطلقوا عليها اسم "رع"


المعبد يجسد قصة العلاقة التي جمعت بين قلبي الملك رمسيس الثاني وزوجته الملكة نفرتاري

ابت أشعة الشمس ألا تخلف موعدها الذي يتكرر مرتين في العام، وتعامدت صباح اليوم الخميس على قدس أقداس معابد ابوسمبل، جنوبي اسوان في صعيد مصر.
وقال الدكتور المدير العام لآثار وأسوان والنوبة، إن ظاهرة التعامد جرت بلا احتفالات، بسبب الإجراءات المتبعة للوقاية من جائحة كورونا، وأن 160 من السياح الأجانب، بجانب 230 من السياح العرب والمصريين، شاهدوا الظاهرة وسط التزام تام بإجراءات التباعد الإجتماعي.
وتعامدت الشمس صباحا على قدس الأقداس، واضاءت وجه الملك رمسيس الثاني، في إطار الظاهرة الهندسية والفلكية التي تكرر داخل المعبد يومي 22 فبراير/شباط، و22 اكتوبر/تشرين الاول في كل عام.
وفي السياق ذاته، الغت وزارتا السياحة والآثار، والثقافة، وسلطات محافظة أسوان، الإحتفالية الفنية الحاشدة التي كانت تقام في تلك المناسبة بحضور آلاف الزوار، بسبب جائحة كورونا والإجراءات التي اتخدتها مصر للوقاية منها.

أثبتت الظواهر الفلكية التي جرى رصدها وتوثيقها داخل المعابد المصرية القديمة اهتمام قدماء المصريين بالضوء وريادتهم لعلوم الفلك والهندسة

فلسفة الضوء
ومن المعروف أن ظاهرة تعامد الشمس على المعابد والمقاصير المصرية القديمة، لا تتوقف عند تعامد الشمس على قدس أقداس أبوسمبل، بل تمتد للكثير من المعابد والمقاصير في محافظات تاريخية عدة بمصر، وتُعدُ ظواهر تعامد الشمس في المعابد المصرية القديمة، وتسلل أشعتها الذهبية لتضيء ظلمة قدس الأقداس، في معابد ومقاصير قدماء المصريين تجسيدا لـ"فلسفة النور" في مصر القديمة، وتقديس قدماء المصريين للشمس التي أطلقوا عليها اسم "رع" ورأوا فيها قوة حيوية عظيمة، وجعلوا من آمون سيد الضوء، وربطوا اسمه بالشمس فأطلقوا عليه اسم آمون رع.
وبحسب دراسة للدكتور أحمد عوض، رئيس الفريق المصري المتخصص في رصد الظواهر الفلكية بالمعابد والمقاصير المصرية القديمة، صدرت عن الجمعية المصرية للتنمية السياحية والأثرية، فإن قدماء المصريين اعتمدوا في حياتهم على ضوء الشمس، وأن اليوناني "كليمنت السكندري" نسب إلى قدماء المصريين فضل اختراع المصباح، الذي عرف في مصر منذ الدولة القديمة.
وأن قدماء المصريين حين أرادوا التعبير عن القوة الحيوية العظيمة للشمس، أطلقوا عليها اسم "رع"، وصلوا للإله آمون سيد الضوء بحسب معتقداتهم، وصلوا لكل الآلهة التي تجسد فيها سيد الضوء "آمون".
وبحسب الدراسة، فقد لعب الضوء دورا مهما في تحديد التشكيل المعماري لمعابد قدماء المصريين، وأن معظم المعابد المصرية، تشهد ظواهر فلكية متعددة، مثل تعامد الشمس، وتعامد القمر أيضا.
وربط قدماء المصريين بين العمارة وعلوم الفلك، فأقاموا المعابد وفقا للنجوم والاتجاهات الأرضية الأصلية، واستخدمت المعابد كمراصد للنجوم وتسجيل الوقت.

ريادة الفلك 
وقد أثبتت الظواهر الفلكية التي جرى رصدها وتوثيقها داخل المعابد والمقاصير المصرية القديمة، اهتمام قدماء المصريين بالضوء وريادتهم  لعلوم الفلك والهندسة، ومدى تمكنهم من تشييد معابدهم، بإعجاز فلكي وهندسي، جعل الشمس تتعامد فوق قدس أقداس كثير من المعابد، وفي أيام محددة من السنة، ليتزامن ذلك التعامد، مع مناسبات دينية وأعياد شعبية، وأحداث تاريخية، بعينها، في كل عام.
وكانت الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها مصر ودول العالم لمواجهة جائحة كورونا، قد تسببت في الحادي والعشرين من شهر يونيو/حزيران الماضي في إلغاء الاحتفالات التي كانت ترافق ظاهرة تعامد شمس الظهيرة على خمسة معابد مصرية قديمة، هي معابد ندرة وادفو وأبيدوس وهيبس، بجانب معبدين بمجموعة معابد الكرنك، في الأقصر، وهي الظاهرة التي تتزامن مع حدوث الانقلاب الشمسي، الذي أوصت الأمم المتحدة بالاحتفال به في ذلك اليوم  كل عام. 
 قصة حب خالدة
ويجسد معبد أبوسمبل قصة العلاقة التي جمعت بين قلبي الملك رمسيس الثاني، وزوجته الملكة نفرتاري، والتي تعد من أقدم قصص الحب الخالدة في التاريخ، فالملك الذي فرض سيطرته ونفوذه وسطوته طوال سنوات حكمه، نجحت نفرتاري .. جميلة الجميلات في مصر القديمة، أن تبسط سيطرتها ونفوذها وسطوتها على قلبه، فأقام لها معبدا بجوار معبده في ابوسمبل، ومقبرة من أجمل المقابر التي شيدها قدماء المصريين في غرب مدينة الأقصر  التاريخية.
وقد تجلى ذلك الحب الفياض الذي جمع بين قلبي رمسيس ونفرتاري، من خلال الكلمات الرقيقة التي نقشت علي جدران  معبد نفرتاري في ابوسمبل، والتي يصف فيها رمسيس الثاني زوجته الحبيبة بأنها ربة الفتنة والجمال وجميلة المحيا وسيدة الدلتا والصعيد.

230 من السياح العرب والمصريين، شاهدوا الظاهرة وسط التزام تام بإجراءات التباعد الإجتماعي

الإيطالي جوفاني باتيستا بلزوني
ومن المعروف أن المستشكف الإيطالى، الإيطالي جوفاني باتيستا بلزوني، هو من توصل لإكتشاف معبدي ابوسمبل، قبل اكثر من 200 عام.
وكان بيلزوني قد قام في العام 1817، بإزاحة الأتربة عن معبد ابوسمبل الكبير، وكان أول من دخل المعبد، وذلك خلال ثلاث رحلات استكشافية قام بها على ضفاف نهر النيل بمصر في الفترة ما بين عامي 1815 و1819 ميلادية.
ومن الطرائف التي تحكى حول بيلزوني وابوسمبل، أنه بعد أن توصل بيلزوني، لموقع معبدي أبوسمبل، حضر قزم إيطالي يدعى  فيناتي، وكان قصير القامة، وكان مارا بمركب في النيل، قرب موقع المعبدين، ولاحظ وجودا لعمال وحركة في المكان اثارت انتباهه، فذهب إلى موقع المعبدين، واستطاع الدخول من الفتحة الصغيرة التي أحدثها بلزوني، واكتشف من خلالها المعبدين، وراى القزم فيناتي، المعبدين، وعاد سريعا لإيطاليا، ليعلن من هناك أنه صاحب اكتشاف معبدي ابو سمبل.
أهمية تاريخية
ولا تقتصر الأهمية التاريخية، على المعبدين اللذين شيدهما الملك رمسيس الثاني، له ولزوجته الملكة نفرتاري، بل أن مدينة أبوسمبل تضم بين جنباتها العديد من المعالم التاريخية النادرة، التي تحمل قيمة تاريخية وعلمية كبيرة مثل وادي النبطة الواقع شمال غرب أبو سمبل وذات القيمة الفلكية الكبيرة والذي عثر فيه على أول بوصلة حجرية وأقدم ساعة حجرية تحدد اتجاهات السفر وموعد سقوط المطر ويرجع تاريخهما إلى 11 ألف سنة وهو أقدم دليل تاريخي حدد بدايات السنة والانقلاب الشمسي والاتجاهات الأربعة وهو من أعظم الاكتشافات الفلكية في مصر والعالم وهو كشف يزيل الغموض الذي يحيط بظاهرة تعامد الشمس على معبد أبوسمبل ويؤكد امتلاك المصريين القدماء لفنون وعلوم واسرار الفلك باقتدار.