الصحافة لن تغادر اللعبة التي صنعها ترامب لنفسه

صورة ترامب في وكالة أسوشيتد برس مدعاة للتحليل أكثر من أي تصريح سياسي له لحد الآن، فهذه الصورة لا تظهر ذلك الرئيس الساحر ببدلته الثمينة وربطة عنقه الحمراء كعلامة عن الثراء.


الصحافة بالنسبة لترامب مجرد أخبار زائفة، بينما ترامب بالنسبة لوسائل الإعلام أكثر من ذلك

قبل سنوات كتبتُ دونالد ترامب لعبة صحافية لا تمل، كان ذلك والرئيس الأميركي مزهوّ في دخوله الأول إلى البيت الأبيض، وبالفعل صدق توقعي، فاللعبة مستمرة ولم تفقد متعتها بالنسبة لترامب، لأنه أضحى رئيس أقوى دولة في العالم بوظيفة مغرّد! وتلك أهم الشروط التي صنعها لنفسه وهو “يشيطن” وسائل الإعلام التقليدية.

الصحافة بالنسبة لترامب مجرد أخبار زائفة، بينما ترامب بالنسبة لوسائل الإعلام أكثر من ذلك، ولهذا لا أتوقع غياب صورته حتى وإن لم يفز مجددا في الانتخابات الرئاسية.

الصحافة في مجملها لا تتعاطف مع سلوك ترامب السياسي، لكنها لا تريد أن تغادر اللعبة التي وضعها الرئيس لنفسه أشبه ببرنامج من تلفزيون الواقع يفضل أن يديره على أجهزة العالم الذكية، وإن كان يستخدم هاتفه بدل جهاز التحكم بالتلفزيون.

ولأن اللعبة لم تفقد متعة التشويق، بل تزداد يوما بعد آخر، فإنه صار من مهام وسائل الإعلام تحليل تحركات وتغريدات ترامب وفق قواعد علم النفس السلوكي، ومراقبة تصريحاته وعدم تركها تمر من دون التقاط ما يجعلها ذات أهمية ومثيرة بالنسبة للجمهور.

ذلك ما حصل هذا الأسبوع مع صورة التقطتها عدسة المصور باتريك سيمانسكي من وكالة أسوشيتد برس لترامب بدا وكأنه خارج تلفزيون الواقع السياسي الذي عرف به.

إنه في هذه الصورة ليس ترامب المعتاد، حسب تعبير الكاتب هوغو ريفكيند في صحيفة التايمز البريطانية، الذي قدم قراءة في تحليل مضمون الصورة، فترامب لن يكون ترامب من دون الجماهير الغفيرة المحيطة به في الصالات والملاعب، حتى وإن كان في غرفة نومه يرسل التغريدات النارية! لنا أن نتخيل أكثر من مئة مليون متابع له، هؤلاء جماهير يحسن بهم ترامب ويتشوق لمخاطبتهم.

لنتذكر جملته الشهيرة وهو يصف الصحف بأنها مجرد أدوات لنشر الأخبار الزائفة، معبرا عن عدم حاجته لها لأنه يتعامل مباشرة مع الملايين من المتابعين على مواقع التواصل.

صورة ترامب في وكالة أسوشيتد برس مدعاة للتحليل أكثر من أي تصريح سياسي له لحد الآن، فهذه الصورة لا تظهر ذلك الرئيس الساحر ببدلته الثمينة وربطة عنقه الحمراء كعلامة عن الثراء. بل مجرد لاعب بيسبول مهزوم عاد في وقت متأخر ليلة السبت بعد تظاهرة انتخابية مخيبة للآمال قاطعها الجمهور، والبعض منهم تعمد اقتناء تذاكر الحضور ولم يذهب لتطبيق سياسة المقاعد الفارغة وإفشال حملة ترامب الانتخابية.

كما تُظهر الصورة أن الرئيس الأميركي لديه عدو يتجمهر أكثر فأكثر، لا يمكنه هزيمته بالتخبط، وهو ينزل من المروحية الرئاسية بربطة عنق محلولة على كتفيه، وماسكا بقوة قبعة لاعب منهك.

لقد كان صموئيل بكيت يترك ربطة عنقه بلا شد، كذلك ألبير كامو، مثلما فعل آرثر ميلر في تعبير عن زواجه الفاشل من مارلين مونرو. لكن ترامب في هذه الصورة لا يتشبه بأي من هؤلاء المدهشين في صناعة الأحلام المعبرة، وهو يترك ربطة عنقه حرة على كتفيه، لأنه أصلا يرى في نفسه ممثلا للنخب العالية وليس لتلك الهموم الأدبية المستعارة التي يمثلها ميلر وبيكيت وكامو وسواهم. لذلك بدا مثل مقامر عائد من خسارته، أو بتعبير هوغو ريفكيند أشبه بـ”رجل أعمال مسجون تم إطلاق سراحه بكفالة ولم يتذكر ربطة عنقه المسترخية على صدره كي يعيد شدها”!

الصورة بلا شك باهرة في استمرار لعبة الصحافة مع ترامب، فلو عاد منتصرا من حملته الانتخابية الأولى بعد إنهاء الحجر الصحي لبدا أشبه بالممثل براد بيت وهو يمشي رابط الجأش بعد أن قضى على عدوه. لكن ترامب بلا جمهور من المعجبين وتلك فكرة ميتة لا يقبلها عقل الرئيس.

إن قراءة أولية لهذه الصورة تجعل أغلبنا يتفق مع هذا الكلام وليس فقط تحليل المضمون وفق الرؤية الصحافية.

وبالطبع هناك من لا يرى ذلك، ومن الصحافيين أنفسهم أيضا، هل تتذكرون دفاع الصحافي فيليب ستيفنز وهو يعالج الجانب السار في شخصية دونالد ترامب!، فيرى أنه ليس شخصا سيئا تماما، وربما هناك وجاهة في طريقة تفكيره.

تأمل كيف يجد ستيفنز مسوغا له عن كره النساء؟ “حسنا، بالتأكيد، تعد آراؤه المتعلقة بالنساء كريهة، لكن بصراحة نحن نسمع الكثير من الحديث نفسه في معظم غرف خلع الملابس للرجال”، لا أعرف ماذا سيقول اليوم بعد أن شرع الأميركيون إعادة ملفات العنصرية. ويستشهد ستيفنز بكلام من رودي جولياني عمدة نيويورك الأسبق، حول الشخصية الحقيقية لترامب؟ إنه شخص “مفكر وذكي ومتعلم ومثقف”.

سنجد آخرين ممن يؤمنون بمثل هذا الكلام، لكنهم يتناقصون يوما بعد آخر ولا يبدو أنهم يشكلون جمهورا يسعد ترامب نفسه، ملايين المتابعين له على مواقع التواصل ليسوا جميعهم مشجعين على مدرجات فريق ترامب، إنه مجرد جمهور يتوزع على مدرجات الداعمين والخصوم.

تلك الصورة الكئيبة لترامب بعد نهاية تجمع انتخابي غير مثمر، تدفع الكثير من منتقدي الرئيس الأميركي إلى توقع أنها بداية النهاية، وقد يكونون على حق، لكننا كمتابعين لعروض تلفزيون الواقع المستمرة حول ترامب ما زلنا لا نفهم ما ستكون عليه بداية النهاية. فيما يستمر السؤال الكبير عما إذا كان ترامب يدرك تداعيات المسار النادر الذي يتخذه في تاريخ السياسة الأميركية.

هذا هو أصل مقولة الصحافية سالينا زيتو مؤلفة كتاب “ثورة كبرى داخل التحالف الشعبوي لإعادة تشكيل السياسة الأميركية” التي تقول إن مؤيدي ترامب يأخذونه “على محمل الجد، ولكن ليس حرفياً” بينما يفعل منتقدوه العكس.

مع ذلك من المفيد أن نعود مرة أخرى إلى كلام المؤرخة دوريس كيرنز غودوين، إحدى أشهر كتّاب السير الرئاسية في الولايات المتحدة، بقولها إن سلوك ترامب يشير إلى حاجة تركيز الحملات الانتخابية بشكل أكبر على المزاج العام للمرشح في المستقبل.

وقالت “إنه ربما كان أبراهام لينكولن عرضة لنوبات غضب لكنه وجد سبلا للاستحواذ على مزاجه”، معتبرة أن النوبات العامة التي تصيب ترامب، والافتقار إلى التواضع، وعدم القدرة على السيطرة على انفعالاته، هي أمور نادرة الحدوث في التاريخ الأميركي.

ومع ذلك نجد من يراها حلا لمعضلات تحل على العالم.