الصين تتخطى إنفيديا بشريحة هجينة تكسر قيود الحوسبة التقليدية

فريق بحثي من جامعة بكين يبتكر شريحة حاسوبية جديدة تجمع بين سرعة الحوسبة التناظرية ودقة الحوسبة الرقمية، متفوقة بآلاف المرات على أحدث وحدات معالجة الرسوميات الأميركية، مع كفاءة طاقة عالية وإمكانية تطبيقات واسعة في الذكاء الاصطناعي والمركبات ذاتية القيادة.

بكين - في تطور لافت قد يعيد رسم خريطة صناعة أشباه الموصلات العالمية، أعلن فريق بحثي من جامعة بكين عن تطوير بنية معالجة حاسوبية جديدة تجمع بين السرعة الفائقة للأنظمة التناظرية ودقة الأنظمة الرقمية، مُسجلةً أداءً يتفوق بآلاف المرات على أحدث وحدات معالجة الرسوميات (GPUs) الأميركية في مهام محددة، مما يمثل اختراقاً صينياً محتملاً في ظل العقوبات التكنولوجية الغربية.

الدراسة التي نُشرت تفاصيلها في الدورية العلمية المرموقة "نيتشر إلكترونيكس" (Nature Electronics)، كشفت أن الشريحة الجديدة القائمة على تقنية "ذاكرة الوصول العشوائي المقاومة" (RRAM)، نجحت في حل المعضلة التاريخية للحوسبة التناظرية المتمثلة في انخفاض دقة الحسابات، لتقدم نموذجاً هجيناً قد يُنهي عصر الاعتماد الكلي على تصغير الترانزستورات.

أرقام قياسية تتحدى "إنفيديا

و وفقاً لبيانات الورقة البحثية، أظهر المعالج الجديد قدرات استثنائية عند اختباره في حل المعادلات المصفوفية المعقدة ومحاكاة الشبكات العصبية. وتشير النتائج إلى أن الشريحة أسرع بنحو 1000 مرة من وحدات معالجة الرسوميات من فئة "H100" التي تنتجها شركة إنفيديا (Nvidia) الأميركية، والتي تعد حالياً المعيار الذهبي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وعلاوة على السرعة، سجل الابتكار الصيني كفاءة في استهلاك الطاقة تفوق المعالجات التقليدية بنحو 100 ضعف. ويعد هذا الرقم حاسماً لشركات التكنولوجيا الكبرى التي تواجه ضغوطاً متزايدة لخفض فواتير الطاقة الهائلة في مراكز البيانات المخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

نهاية "عنق الزجاجة"

يقود الفريق البحثي البروفيسور سون تشونغ، من كلية الدوائر المتكاملة بجامعة بكين. ويعتمد الابتكار على التخلي عن "معمارية فون نيومان" التقليدية التي تفصل بين وحدة المعالجة والذاكرة، مما يتطلب نقل البيانات باستمرار ويخلق ما يعرف بـ "عنق الزجاجة" الذي يبطئ الأداء ويستهلك الطاقة.

وبدلاً من ذلك، تعتمد الشريحة الجديدة تقنية "الحوسبة داخل الذاكرة" (Computing-In-Memory - CIM). فباستخدام مقاومات الذاكرة (RRAM)، يتم إجراء العمليات الحسابية مباشرة داخل مصفوفات الذاكرة عبر القوانين الفيزيائية (قانون كيرشوف)، مما يلغي زمن نقل البيانات ويجعل الاستجابة فورية.

والسر في "الهندسة المزدوجة" لطالما عانت المعالجات التناظرية من "الضجيج الإلكتروني" الذي يؤثر على دقة النتائج، مما جعلها غير صالحة للمهام الحساسة. إلا أن الباحثين الصينيين ابتكروا حلاً أطلقوا عليه "المعمارية المزدوجة" (Mixed-Signal Architecture). وتعمل هذه البنية عبر مسارين متوازيين:

  • المسار التناظري: يعالج كتل البيانات الضخمة بسرعة الضوء ولكن بدقة منخفضة.
  • المسار الرقمي المصحح: دائرة رقمية مرافقة تقوم بحساب الفوارق الدقيقة وتصحيح "الأخطاء المتبقية" (Residual Errors) من العملية التناظرية. هذا الدمج سمح بالوصول إلى دقة تضاهي المعالجات الرقمية (Full Digital Accuracy) مع الاحتفاظ بسرعة المعالجات التناظرية.

أبعاد جيوسياسية

يأتي هذا الإعلان في وقت حساس تحاول فيه واشنطن وحلفاؤها فرض طوق تكنولوجي حول الصين لمنعها من الوصول إلى الرقائق المتقدمة (أقل من 7 نانومتر). ويرى محللون في قطاع التكنولوجيا أن نجاح الصين في تطوير معالجات تعتمد على "تغيير الهندسة المعمارية" بدلاً من "تصغير الترانزستور"، قد يمنح بكين مخرجاً استراتيجياً للالتفاف على القيود المفروضة على معدات الطباعة الحجرية المتقدمة (EUV).

ويرى محللون إن تقنيات RRAM يمكن تصنيعها باستخدام عقد تصنيع أقدم وأقل تكلفة، ومع ذلك تقدم أداءً ينافس أحدث الرقائق الغربية، مما يقلل من اعتماد الصين على الموارد الخارجية.

آفاق المستقبل

 رغم أن التقنية لا تزال في مراحلها البحثية ولم تدخل حيز الإنتاج التجاري الضخم (Mass Production)، إلا أن التطبيقات المحتملة تبدو واعدة، خاصة في مجالات تتطلب سرعة استجابة لحظية مثل شبكات الجيل السادس (6G)، والمركبات ذاتية القيادة، وأنظمة الدفاع المتقدمة.

وختم البروفيسور سون وفريقه ورقتهم البحثية بالإشارة إلى أن هذا النموذج يثبت أن "قانون مور" لم يعد الطريق الوحيد لزيادة قوة الحوسبة، وأن المستقبل قد يكون للمعالجات التي "تحاكي الدماغ البشري" في طريقة عملها أكثر من محاكاتها للآلات الحاسبة التقليدية.

ابعاد جيوسياسية

من الناحية الجيوسياسية، يأتي هذا الإنجاز في سياق سباق الصين لتقليل اعتمادها على الرقائق الأجنبية، خصوصًا في ظل القيود التجارية الأميركية على صادرات الرقائق. ويؤكد خبراء أن النجاح في تطوير مثل هذه الشرائح يمكن أن يمنح الصين ميزة تنافسية في بناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي ذات كفاءة طاقة عالية، مما يعزز موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

وفي تحليل أولي لتأثير هذا الابتكار، يرى بعض المحللين أن الشريحة الجديدة، رغم إمكانياتها الكبيرة، ليست بديلاً مباشرًا للمعالجات الرقمية الحالية، وإنما يمكن أن تصبح جزءًا من منظومة هجينة تجمع بين الحوسبة الرقمية والتناظرية لتحقيق أفضل أداء وكفاءة للطاقة.

والخلاصة، كما يراها الباحثون، أن الشريحة تمثل إثباتًا عمليًا على إمكانية دمج الحوسبة التناظرية والرقمية لتحقيق أداء استثنائي وكفاءة طاقة عالية، وتفتح الطريق أمام تطوير أجيال جديدة من وحدات المعالجة يمكن أن تغير طريقة تصميم مراكز البيانات ومعالجة البيانات على مستوى عالمي. ومع ذلك، الطريق أمام الانتقال من المختبر إلى السوق التجاري لا يزال طويلًا، ويستلزم جهودًا إضافية في التصنيع، تطوير البرمجيات، وتوسيع نطاق الاختبارات العملية لضمان موثوقية الشريحة في الاستخدامات الواقعية.